
ولاية الله أعظم مطلوب وأغلى مقصود؛ كل عزٍّ دونها إلى بوار، وكل مطلوب دونها إلى زوال. وهذا شرح مختصر لأعظم حديث ورد فيها: يبيّن معنى الولاية، وطريقها، وثمراتها، ودرجات أهلها.

نص الحديث
«إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب. وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه؛ فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه. وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته».
رواه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوي في صفة الأولياء.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (18/129)
منزلة الولاية
مثل الولاية كمثل رجل يطارده عدوّه في كل مكان، فهو خائف مضطرب لا يقرّ له قرار؛ فبينما هو كذلك إذ أبصر حصنًا منيعًا، فدخله وأغلق بابه، فاستراح من عدوّه وكيده. فهكذا ولاية الله: من دخل حصنها أمِن، ومن احتمى بحماها سلِم.
من هم أولياء الله؟
عرّفهم الله تعالى تعريفًا جامعًا لا يحتاج إلى زيادة:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 62-64]
فالوليّ هو المؤمن التقي؛ وكل مؤمن له من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه. ليست الولاية لقبًا يُورث، ولا زيًّا يُلبس، ولا دعوى تُدّعى.
أولياء الله هم حزبه الغالبون
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56]
ووعدهم الله بوراثة الأرض والتمكين: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55].
كثيرون طلبوا الولاية فأخطؤوا طريقها
التقرّب إلى الخالق مطلب فطري سعت إليه الأمم كلها؛ حتى إن بعض الموسوعات — كالموسوعة المسيحية العالمية (باريت، 2001م) — تُحصي نحو عشرة آلاف ديانة ومذهب عبر التاريخ. كلهم يرجو القرب من المعبود، لكنهم ضلّوا السبيل. فاحمد الله الذي هداك للإسلام بلا حول منك ولا قوة.
أهل الكتاب
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: 18]
فالولاية لا تُنال بالدعوى ولا بالنسب.
أهل الجاهلية
طلبوها بعبادة الأصنام وزعموا أنها تقرّبهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]. بل إن أبا جهل استفتح يوم بدر فقال: «اللهم أقطعُنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة»، فكان هو المستفتح على نفسه، وفيه نزل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: 19] (رواه أحمد (23661) والحاكم وصححه).
من طلبها بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم
ومن المنتسبين إلى الإسلام من طلب الولاية بما لم يشرعه الله: أوراد وطقوس مخترعة، وتعذيب للنفس بالجوع والسهر وترك الأهل، وربما جرّ الغلوّ بعضهم إلى تعظيم القبور والطواف بها والذبح عندها، ثم إلى عبارات منكرة في الحلول والاتحاد أنكرها أئمة الإسلام من كل المذاهب. وكل ذلك خروج عن الطريق الذي رسمه هذا الحديث نفسه: فرائض ثم نوافل، على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر: ستة ضوابط تعرف بها أن العمل بدعة.
من طلب العزة عند غير الله
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 138-139]
فمن علّق آماله بغير الخالق وطلب الزلفى عند المخلوق خُذل من حيث أمّل.
ميزان الولاية الحقيقية
الولاية الحقيقية لا تُنال إلا باتباع الكتاب والسنة:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]
ولهذا قرّر أهل العلم أن العبرة بالاستقامة لا بخوارق العادات:
كن طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة؛ فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
أبو علي الجوزجاني — نقله ابن تيمية في مجموع الفتاوى (11/320)
كرامات الأولياء حقّ عند أهل السنة والجماعة، لكنها ليست شرطًا للولاية ولا دليلًا عليها بمجردها؛ فقد تجري الخوارق على يد من ليس بوليّ استدراجًا. والميزان: موافقة الكتاب والسنة. وانظر: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وثمراته.
شرح: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب»
أي: أعلمتُه أني محارب له. وهل يقوى أحد على حرب الله؟! قال الحسن البصري: «ابنَ آدم، هل لك بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه». وعلّق ابن رجب: لكن كلما كان الذنب أقبح كان أشدّ محاربة لله (جامع العلوم والحكم 2/335).
ولهذا سمّى الله بعض الذنوب العظيمة محاربةً له:
- أكل الربا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]. وانظر: احذروا الديون.
- قطع الطريق والإفساد في الأرض: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33].
- وأذيّة أوليائه من المؤمنين المتقين — كما في هذا الحديث — لأن الله يتولّى الدفاع عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38].
فليحذر المسلم من أذيّة الصالحين، والوقيعة في أعراض العلماء والعُبّاد، وظلم الضعفاء من المؤمنين؛ فإن خصمه في ذلك ربُّ العالمين.
الطريق إلى الولاية
أولًا: أداء الفرائض
قوله: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضتُ عليه». فأعظم ما يتقرّب به العبد: أداء الواجبات وترك المحرمات. وأول الفرائض وأعظمها: تصحيح الإيمان والتوحيد؛ أن يتعلم العبد عقيدته وينقّيها من الشرك والشبهات:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]
ومن قام بالفرائض كما أُمر دخل الجنة:
أتى النعمانُ بن قوقل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إذا صلّيتُ المكتوبات، وحرّمتُ الحرام، وأحللتُ الحلال — ولم أزد على ذلك شيئًا — أأدخل الجنة؟ قال: «نعم».
رواه مسلم (15) من حديث جابر رضي الله عنه
ثانيًا: الإكثار من النوافل
قوله: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه». فالمسارعة في الخيرات بعد إتمام الفرائض أعظم أسباب محبة الله. وأبواب النوافل كثيرة:
- طلب العلم الشرعي، وهو من أفضل ما يُتطوَّع به. وانظر: فضل طلب العلم.
- تلاوة القرآن، وهي رأس الذكر. قال خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه: «تقرّب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرّب إليه بشيء أحبَّ إليه من كلامه» (رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» 1/587).
- الذكر: تسبيحًا وتحميدًا وتهليلًا وتكبيرًا واستغفارًا.
- نوافل الصلاة: «عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة» (رواه مسلم (488))، وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
- الصدقة وإطعام الفقراء واليتامى والقيام على حوائج الناس.
- نوافل الصيام والحج والعمرة.
- عيادة المرضى واتباع الجنائز.
ولمزيد تفصيل: فوائد النوافل: عشر ثمرات يجنيها المسلم.
الترتيب مقصود: لا تُقبل دعوى التقرّب بالنوافل ممن ضيّع الفرائض. فمن قام الليل ونام عن الفجر، أو أكثر من الصدقة وهو يأكل الحرام، فقد عكس الطريق.
ثمرات الولاية
التسديد والحفظ
قوله: «كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها».
معناه عند أهل العلم: أن الله يسدّده ويوفّقه ويحفظه في جوارحه؛ فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ولا ينظر إلا إلى ما أحلّ الله، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله. إنها المعيّة الخاصة: رعاية وتوفيق وتأييد.
ليس في الحديث حجة لأهل الحلول والاتحاد؛ فالحديث نفسه فرّق بين العبد وربه: فيه «عبدي» و«يتقرّب إليّ» و«سألني» و«استعاذني». فهناك عابد ومعبود، وسائل ومسؤول.
إجابة الدعاء والإعاذة
قوله: «وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه». فالوليّ مجاب الدعوة، محفوظ من الشرور. ومن أجمع الأدعية في طلب محبة الله ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم:
«اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ من يحبُّك، وحبَّ عملٍ يقرّبني إلى حبّك».
رواه الترمذي (3235) وقال: حسن صحيح، من حديث معاذ رضي الله عنه
كرامة المؤمن على ربه عند الموت
قوله: «وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته».
بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى 18/129 وما بعدها) أن هذا ليس تردّد الشاكّ الذي لا يعلم العواقب — تعالى الله عن ذلك — وإنما هو بيان لكرامة المؤمن على ربه: فالله قضى بالموت على كل نفس، وهو سبحانه يكره ما يسوء عبده المؤمن؛ فاجتمع الأمران. وفي ذلك من اللطف بالمؤمن ما لا يخفى.
درجات أولياء الله
دلّ الحديث على أن أولياء الله درجتان:
- المقتصدون أصحاب اليمين: وهم المتقرّبون إلى الله بأداء الفرائض وترك المحارم.
- السابقون المقرّبون: وهم الذين تقرّبوا بعد الفرائض بالاجتهاد في النوافل، والكفّ عن دقائق المكروهات بالورع.
وقد جمع الله هذه المراتب في قوله:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]
وهي من أرجى آيات القرآن؛ إذ وعد الله الأقسام الثلاثة — حتى الظالم لنفسه — بجنات عدن. وتفصيل ذلك في مقال: وراثة الكتاب العظيم: تفسير الآية ومراتب الأمة الثلاث.
الخلاصة
- أولياء الله هم «الذين آمنوا وكانوا يتقون»؛ فالولاية بالإيمان والتقوى لا بالدعوى ولا بالخوارق.
- طلبت الأمم القرب من الله فضلّ أكثرها الطريق؛ والطريق الوحيد: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
- معاداة أولياء الله وأذيّتهم محاربة لله.
- الطريق إلى الولاية: الفرائض أولًا — وأولها التوحيد — ثم النوافل.
- ثمراتها: محبة الله، والتسديد في الجوارح، وإجابة الدعاء، والحفظ.
- أولياء الله درجتان: مقتصدون وسابقون مقرّبون.
أسئلة شائعة
من هو وليّ الله؟
كل مؤمن تقيّ؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. وتتفاوت الولاية بتفاوت الإيمان والتقوى.
هل يُشترط للوليّ أن تظهر له كرامات؟
لا. الكرامة حقّ، وقد يكرم الله بها بعض أوليائه، لكنّ أعظم الكرامة لزوم الاستقامة. وكثير من خيار الصحابة لم تُنقل عنهم خوارق.
ما معنى «كنت سمعه الذي يسمع به»؟
أي: أسدّده وأوفّقه في سمعه وبصره وجوارحه فلا يستعملها إلا فيما يرضيني. وليس معناه الحلول؛ فالحديث يفرّق بين العبد وربه في كل جملة منه.


