جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

فوائد النوافل: عشر ثمرات يجنيها المسلم من المحافظة على السنن والتطوع — إسماعيل العضامي

كل ما زاد على الفريضة فهو نافلة؛ فالله تعالى افترض على عباده الفرائض، وندبهم إلى النوافل، ولم يوجبها عليهم رحمة بهم وتيسيرًا.

عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دويّ صوته ولا يُفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»… فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».

متفق عليه: البخاري (46) ومسلم (11)

فإذا كان من اقتصر على الفرائض مفلحًا، فكيف بمن زاد عليها من النوافل؟! وفي هذا المقال عشر فوائد للمحافظة على النوافل.

فوائد النوافل

أولًا: القيام بعبودية الله تعالى

كل عبادة يقدمها العبد لربه قيام بالوظيفة التي خُلق من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وعبادة الله فرائض ونوافل: فالفرائض نوعان: فرائض فعل، وهي الأركان والواجبات، وفرائض ترك، وهي اجتناب المحرمات والكبائر. ثم النوافل، وهي المستحبات التي يتقرب بها العبد زيادة على ما أوجب الله عليه.

ثانيًا: تطهير القلب من أمراضه

للنوافل أثر كبير في علاج أمراض القلوب وشفاء أدرانها وأحقادها؛ فكل نافلة دواء لمرض من أمراض القلب، فإذا فرّط العبد في الفرائض ثم في النوافل، فكيف يُشفى قلبه، وكيف تخرج منه الأمراض المستقرة فيه بسبب الذنوب؟! وقد وصف الله المنافقين بالكسل عن الصلاة وقلة الذكر: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].

ثالثًا: إصلاح النفوس على اختلاف طبائعها

كل نفس جُبلت على حب شيء، فكان من حكمة الله أن نوّع النوافل وفتح أبوابها، ليصلح كل إنسان ما فسد من نفسه وأخلاقه عن طريق العبادة التي تناسب داءه؛ فالتزكية الحقيقية إنما تكون بالعبادة والنوافل:

  • فالبخيل لا يُصلحه إخراج زكاته مرة في العام، بل يحتاج إلى صدقة التطوع.
  • وشديد الشهوة لا يصلحه صيام شهر واحد في السنة، بل يحتاج إلى صيام النفل.
  • وكثير الوقوع في أعراض الناس لا يصلحه ما يذكره من أذكار الصلاة فحسب، بل يحتاج إلى أن يشغل لسانه بالذكر في سائر أوقاته.

قال حرملة: سمعت ابن وهب يقول: نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة. قال الذهبي: هكذا والله كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع.

سير أعلام النبلاء

صبرتُ عن اللذاتِ حتى تولّتِوألزمتُ نفسي صبرَها فاستمرّتِ
وما النفسُ إلا حيث يجعلُها الفتىفإن أُطمعتْ تاقتْ وإلا تسلّتِ

رابعًا: الفوز بمحبة الله تعالى

وهي منزلة عظيمة يتطلع إليها كل عابد.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».

رواه البخاري (6502)

فهنيئًا لمن دخل حصن الولاية وفاز بمعية المحبوبية؛ فإن الله يسدده في سمعه وبصره وجوارحه، ويجيب دعاءه، ويعيذه مما استعاذ منه.

خامسًا: بلوغ درجة المحسنين السابقين بالخيرات

الدين ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وأعلاها الإحسان، وأهله هم المسارعون في الخيرات، الذين يؤدون الفرائض ويجتنبون المحرمات ثم يتقربون إلى الله بالنوافل، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57–61]

وقد قسّم الله هذه الأمة ثلاثة أقسام في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]. وبيّن العلامة الشنقيطي في «أضواء البيان» أن أصح الأقوال في تفسيرها:

  • الظالم لنفسه: الذي يطيع الله ولكنه يعصيه أيضًا، وهو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
  • المقتصد: الذي يطيع الله ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب إليه بالنوافل.
  • السابق بالخيرات: الذي يأتي بالواجبات، ويجتنب المحرمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات غير الواجبة.

ثم وعد الله الأقسام الثلاثة بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، قال الشنقيطي: والواو في «يدخلونها» شاملة للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق؛ ولذا قال بعض أهل العلم: حُقّ لهذه الواو أن تُكتب بماء العينين؛ ولهذا عدّها من أرجى آيات القرآن.

سادسًا: النوافل مستراح المتقين وأنس العابدين

المحب لربه لا يشبع من طاعته، ولا يبرح باب العبودية، فهو كالعطشان الذي كلما شرب ازداد عطشًا؛ فلا تكفيه الفرائض الخمس في اليوم، بل يحتاج إلى نوافل الليل والنهار، يجد فيها راحته وأنسه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ فَلْيَسْتَكْثِرْ».

رواه الطبراني في الأوسط، وحسّنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (390)

سابعًا: تهيئة القلب للفريضة

إذا قدّم العبد النافلة بين يدي الفريضة، انصرف كثير من شواغل قلبه ووساوسه إلى النافلة، حتى إذا دخل في الفريضة دخلها بنفس هادئة غير مشغولة. ومعلوم أن السهو والانشغال في النافلة لا يبطلها لكنه ينقص أجرها، أما التقصير في الفريضة فيُحاسب عليه العبد؛ ولهذا قال العلماء: يُتسامح في النافلة ما لا يُتسامح في الفريضة. فالنافلة القبلية تؤهل العبد وترقّيه لأداء الفريضة كما أمره ربه.

ثامنًا: جبر النقص في الفرائض يوم القيامة

من حكمة الله أن جعل لكل فريضة نافلة من جنسها، حتى إذا أكثر العبد من النوافل جُبر بها ما وقع في فرائضه من نقص.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ».

رواه الترمذي (413) وأبو داود (864) والنسائي (465)، وصححه الألباني

وإذا علمت أن أكثر المصلين يلحقهم النقص في صلاتهم، عرفت شدة حاجتهم إلى النوافل:

عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا».

رواه أبو داود (796) وأحمد

تاسعًا: رفعة الدرجات في الجنة

عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً».

رواه مسلم (488)

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا».

رواه أبو داود (1464) والترمذي (2914)، وقال: حسن صحيح

عاشرًا: النوافل سياج يحمي الفرائض

الفرائض كالقصر، والنوافل من حوله كالسور الحصين الذي يحميه من اللصوص؛ فإذا انهدم السور أوشك القصر أن يُسرق ويُخرّب، وكلما كان السور أقوى كان القصر أمنع. وكذلك العبد إذا تهاون في النوافل أوشك أن يتهاون في الفرائض.

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.

الخلاصة

  1. النوافل قيام بالعبودية التي خُلق لها العبد.
  2. وهي دواء لأمراض القلوب.
  3. وتُصلح النفوس على اختلاف طبائعها.
  4. وبها ينال العبد محبة الله وولايته.
  5. وترفعه إلى درجة المحسنين السابقين بالخيرات.
  6. وهي أنس العابدين ومستراحهم.
  7. وتهيئ القلب لأداء الفريضة.
  8. وتجبر نقص الفرائض يوم القيامة.
  9. وترفع الدرجات في الجنة.
  10. وتحمي الفرائض من التهاون والتفريط.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الفريضة والنافلة؟

الفريضة ما أوجبه الله على العبد ويأثم بتركه، والنافلة ما زاد على الفريضة، يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها.

هل تُكمَّل الفريضة بالنافلة يوم القيامة؟

نعم، دل الحديث على أن ما نقص من الفريضة يُكمّل من التطوع، ثم تُعامل سائر الأعمال كذلك كالزكاة والصيام.

ما أفضل النوافل؟

أفضلها ما كان من جنس الفرائض وآكدها، كالسنن الرواتب والوتر وقيام الليل وصدقة التطوع وصيام النفل، ثم ما احتاج إليه قلب العبد لعلاج دائه.