جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة22 سبتمبر 2019
اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وثمراته: أحد عشر أثرًا لاتباع السنة في حياة المسلم — إسماعيل العضامي

قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]

الاتباع برهان المحبة، وكل محبة لا اتباع معها فغرور وادعاء. واتباع النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الدين، وشرط لقبول العمل مع الإخلاص. وفي هذا المقال بيان ثمرات الاتباع وآثاره، مع نماذج من حرص الصحابة والسلف على السنة. وانظر: ستة ضوابط تعرف بها البدعة.

الاتباع وثمراته

1. الاتباع حفظ للدين

الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلّغ عن الله رسالاته، ولا طريق إلى معرفة مراد الله إلا من جهته: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67]. فمن ترك طريقه ضل عن الصراط المستقيم، ومن اتبعه فاز ونجا. وحفظ سنته حفظ للديانة، ومتى ضاعت السنة ضاع الدين.

ولهذا رحل الصحابة والتابعون وأئمة الحديث -كمالك والثوري وشعبة وأحمد وابن معين والبخاري ومسلم- يجوبون الأرض شرقًا وغربًا في طلب حديث واحد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال إبراهيم الحربي: ينبغي للرجل إذا سمع شيئًا من أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمسك به.

2. الاتباع سبب اجتماع الكلمة

أمر الله بالاجتماع ونهى عن الفرقة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. ولا تجتمع الأمة إلا على إمام معصوم ترتضيه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، وقد جاءت هذه الآية في سياق غزوة الأحزاب، حين اجتمعت الأمة حوله فنصرها الله. وبه ألّف الله بين القلوب المتنافرة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63].

3. التمسك بالسنة عند غربتها يعدل الجهاد

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله.

4. الاتباع سبب نصر الأمة وعزها

ولنا في القرون المفضلة خير مثال؛ اقتفت آثاره صلى الله عليه وسلم، فنصرها الله ومكّن لها.

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ».

متفق عليه: البخاري (3093) ومسلم (1759)

وببركة هذا الاتباع أنفذ أبو بكر بعث أسامة رغم الظروف الصعبة، فهابت الروم المسلمين، وردّ الله به كيد المرتدين.

واستلم عمر رضي الله عنه الحجر الأسود وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك.

متفق عليه: البخاري (1597) ومسلم (1270)

ولما نهى عثمان رضي الله عنه عن التمتع، أهلّ علي رضي الله عنه بالحج والعمرة معًا، وقال: ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد.

رواه البخاري (1563)

وقال علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه.

رواه أبو داود (162)

5. الاتباع طريق الهداية وثبات القلب

النبي صلى الله عليه وسلم أهدى الخلق، شهد الله له بقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2]، وجعل الهداية في طاعته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]؛ وهذا شرط وجزاء، فيحصل من الهداية بقدر ما يحصل من الطاعة والاتباع.

ولهذا كان الصحابة يتتبعون آثاره، ومن أشدهم في ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

  • كان يصبغ ثيابه بالصفرة، ويقول: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها (رواه أبو داود 4064).
  • وقال النبي صلى الله عليه وسلم في باب من أبواب المسجد: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ»، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (رواه أبو داود 462).

قال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول؛ فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم. وقال سفيان الثوري: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل.

6. الاتباع من كمال العقل

العقول متفاوتة في الفهم، فلا بد من مرجع معصوم يرجع إليه الناس، وليس ذلك لعقل أمير ولا طبيب ولا فيلسوف، وإنما هو لمن زكّى الله عقله وحفظه من الهوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3–4]. ثم أصحابه الذين جعل الله إيمانهم ميزانًا للهداية: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: 137]، ثم العلماء: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وانظر: منزلة العقل عند أهل السنة.

قال الحميدي: روى الشافعي حديثًا، فقلت: أتأخذ به؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة، أو عليّ زنّار، حتى إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لا أقول به؟!

وكان الإمام أحمد يتحرى الاقتداء حتى في دقائق الأمور؛ فحين اختفى من السلطان ثلاثة أيام عند إبراهيم بن هانئ طلب منه أن يلتمس له موضعًا آخر، وقال: اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحوّل.

7. الاتباع سبب الرحمة والفلاح

أولى الناس برحمة الله أتباع نبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 156–157]

ثم ختمت الآية بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

8. الاتباع طريق التيسير ورفع الحرج

النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بأمته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]؛ فقد راجع ربه في الصلاة حتى خُففت إلى خمس، وسأله التيسير على أمته فأُنزل القرآن على سبعة أحرف. فاتباع سنته اتباع لليسر والرفق، والابتداع فيه تشدد وحرج.

9. الاتباع سبب الإصابة في القول

قال أبو عثمان الحيري: من أمّر السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.

10. الاتباع سبب البركة

كانت ذات النبي صلى الله عليه وسلم في حياته مباركة، وكان الصحابة يتبركون بآثاره، كما في قصة الحديبية حين وصف عروة بن مسعود تعظيم الصحابة له، وأنهم كانوا يقتتلون على وَضوئه (رواه البخاري 2731)، وكانت أم سليم تجمع عرقه وتقول: نرجو بركته لصبياننا، فقال: «أَصَبْتِ» (رواه مسلم 2331). وهذا خاص به صلى الله عليه وسلم لا يُقاس عليه غيره.

أما بعد موته فالبركة لمن اتبع سنته واقتفى هديه، تحصل للعبد بحسب اتباعه: في عقله وبدنه وبيته ورزقه وأهله وولده. ومن ذلك كثرة الصلاة عليه:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً».

رواه الترمذي (484) وحسّنه

11. الاتباع سبب الشفاعة والورود على الحوض

شفاعته صلى الله عليه وسلم وحوضه لأتباعه المتمسكين بسنته، أما من بدّل وغيّر فيُذاد عن حوضه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا».

رواه مسلم (249)

وفي رواية في الصحيحين: «فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي».

الخلاصة

ثمرة الاتباعدليلها
حفظ الدين﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾
اجتماع الكلمة﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
النصر والعز«إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ»
الهداية﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾
الرحمة والفلاح﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾
التيسير﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾
البركة«أولى الناس بي أكثرهم عليّ صلاة»
الشفاعة والحوض«سحقًا لمن غيّر بعدي»

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الاتباع والتقليد؟

الاتباع هو الأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حجة، ثم الأخذ بقول العالم مع معرفة دليله، أما التقليد فهو قبول قول الغير بلا حجة، وهو جائز للعامي العاجز عن النظر.

هل تكفي المحبة القلبية دون اتباع؟

لا، فالله جعل الاتباع برهان المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، ومن ادعى المحبة وخالف السنة فدعواه ناقصة.

هل يجوز التبرك بآثار الصالحين؟

التبرك بالذات والآثار خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله الصحابة مع أبي بكر ولا عمر ولا غيرهما، فلا يُقاس عليه غيره.