
في سورة فاطر آيةٌ عدّها أهل العلم من أرجى آيات القرآن؛ قسّم الله فيها هذه الأمة ثلاثة أقسام، ثم وعدهم جميعًا بجنات عدن. وهذه الخطبة وقفة مع وراثة الكتاب العظيم: من هم الورثة؟ وما مراتبهم؟ وكيف يرتقي العبد من مرتبة إلى التي فوقها؟ وما منزلة أهل القرآن بين هؤلاء؟
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 31-32]

معنى الآية: من هم ورثة الكتاب؟
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدِّق لما بين يديه من الكتب، الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة. ثم قسّمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو: المفرِّط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو: المؤدّي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
تفسير ابن كثير (6/546، ت. سلامة)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورّثهم الله كل كتاب أنزله؛ فظالمهم يُغفر له، ومقتصدهم يحاسَب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
هل الظالم لنفسه من أهل الجنة؟
ذهب بعض المفسرين إلى أن الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفَين الوارثين للكتاب. والصحيح — وهو اختيار ابن جرير الطبري وظاهر الآية — أنه من هذه الأمة، وأن الأقسام الثلاثة كلهم موعودون بالجنة؛ فإن الله قال بعدها مباشرة: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33]، ثم ذكر القسم المقابل فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: 36].
ومن الآثار في ذلك:
- كعب الأحبار: «إن الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة»، واستدل بسياق الآيات، ثم قال في قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فهؤلاء أهل النار.
- أبو إسحاق السَّبيعي: «أمّا ما سمعتُ منذ ستين سنة فكلهم ناجٍ» (رواه الطبري في تفسيره).
- ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت عن الآية فقالت: «يا بُنيّ، هؤلاء في الجنة»، ثم ذكرت أن السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمقتصد من اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، «وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم». قال ابن كثير: وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات.
دخول الظالم لنفسه في الوعد بالجنة لا يعني الأمن من العقوبة؛ فهو تحت مشيئة الله: إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه ثم مآله إلى الجنة ما دام من أهل التوحيد. فالآية تفتح باب الرجاء ولا تُغلق باب الخوف. وانظر: حياة المؤمن بين الخوف والرجاء.
من أرجى آيات القرآن
بيّن العلامة محمد الأمين الشنقيطي في «أضواء البيان» أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن؛ لأن الوعد بجنات عدن فيها شامل لأقسام الأمة الثلاثة، وأولهم الظالم لنفسه، فلم يبقَ من المسلمين أحد خارجًا عنها. ونقل عن بعض أهل العلم قولهم في واو الجماعة من ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾: «حُقَّ لهذه الواو أن تُكتب بماء العينين».
لماذا قُدِّم الظالم لنفسه على السابق بالخيرات؟
ذكر الشنقيطي أن أهل العلم اختلفوا في حكمة هذا التقديم على قولين:
- قُدِّم الظالم لئلا يقنط، وأُخِّر السابق بالخيرات لئلا يُعجب بعمله فيحبط.
- قُدِّم الظالم لنفسه لأن أكثر أهل الجنة هم الظالمون لأنفسهم؛ فمن سلِم من المعصية قليل، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: 24].
فضل هذه الأمة: مرتبة السابقين
لما ذكر الله أهل الكتاب قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66]. قال ابن كثير عند هذه الآية:
فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين.
تفسير ابن كثير (3/149، ت. سلامة)
والأقسام الثلاثة تقابل — كما ذكر ابن عباس والحسن وقتادة — الأصناف الثلاثة في سورة الواقعة، وتقابل كذلك مراتب الدين الثلاث في حديث جبريل: الإسلام، والإيمان، والإحسان.
الأقسام الثلاثة بالتفصيل
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيِّع للواجبات والمنتهك للمحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (13/337)
| القسم | صفته | نظيره في القرآن |
|---|---|---|
| الظالم لنفسه | يطيع الله ويعصيه؛ يفرّط في بعض الواجبات ويرتكب بعض المحرمات | ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102] |
| المقتصد | يؤدي الواجبات ويترك المحرمات، ولا يتقرب بالنوافل | أصحاب اليمين |
| السابق بالخيرات | يؤدي الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات | ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11] |
أمثلة تقرّب المعنى
ذكر ابن تيمية في الموضع نفسه أن السلف كانوا يفسّرون الآية بالمثال، فيذكر كلٌّ منهم نوعًا يدخل فيها:
- في الصلاة: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.
- في المال: السابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة. وقد جمعتهم أواخر سورة البقرة: المحسن بالصدقة، والعادل بالبيع، والظالم بالربا.
فانظر — رحمك الله — أين أنت من هذه المراتب في صلاتك، ومالك، ولسانك، ووقتك.
الطريق إلى مرتبة السابقين
مرتبة الإحسان همّة كل مسلم، ومنتهى أمل كل عابد؛ وهي مقام الولاية والقرب. وقد رسم الله طريقها في الحديث القدسي:
«إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه».
رواه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
فالطريق درجتان مرتّبتان: الفرائض أولًا — وبها يكون العبد مقتصدًا — ثم النوافل — وبها يرتقي إلى السابقين.
الفرائض قبل النوافل
هذا الترتيب أصل عظيم يغفل عنه كثيرون. قال ابن تيمية:
ولهذا وجب التقرّب بالفرائض قبل النوافل، والتقرّب بالنوافل إنما يكون تقرّبًا إذا فُعلت الفرائض.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (17/133)
وضرب لذلك مثلًا: لو أن رجلًا تصدق بصدقات عظيمة وجاهد جهادًا عظيمًا، ولم يصلِّ ذلك اليوم الصلوات الخمس، لم يقم ثواب تلك الأعمال مقام الصلاة. ومثلًا آخر: من عنده من الذهب والفضة والعقار أموال عظيمة وليس عنده ما يتغدّى به ويتعشّى، فإنه يكون جائعًا متألمًا، ولا تقوم تلك الأموال مقام الطعام الذي يحتاج إليه.
ومن هنا قرّر القاعدة المشهورة: المفضول في مكانه وزمانه قد يكون أفضل من الفاضل؛ فالصلاة أفضل من القراءة، والقراءة أفضل من الذكر، لكنّ التسبيح في الركوع والسجود هو المأمور به والقراءة فيهما منهيٌّ عنها.
من الخلل الشائع أن ينشغل العبد بالنوافل والأوراد — وربما بأوراد لم ترد بها السنة — وهو مفرّط في الفرائض، أو أن يستحسن ما لم يشرعه الله ويترك ما ثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم. والطريق إلى الله لا يُقطع إلا على أثر النبي صلى الله عليه وسلم.
أعظم دعاء: «اهدنا الصراط المستقيم»
والعبد محتاج في كل ذلك إلى الهداية؛ ولهذا فُرض عليه أن يسألها في كل ركعة. قال ابن تيمية عن دعاء الفاتحة:
هو أفضل دعاء دعا به العبد ربه، وهو أوجب دعاء دعا به العبد ربه، وأنفع دعاء دعا به العبد ربه؛ فإنه يجمع مصالح الدين والدنيا والآخرة، والعبد دائمًا محتاج إليه لا يقوم غيره مقامه.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (17/132)
وللمزيد عن ثمرات التطوع: فوائد النوافل: عشر ثمرات يجنيها المسلم.
القرآن يأخذ بيدك إلى الإحسان
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]
ورثة الكتاب حقًّا هم أهله العاملون به، والقرآن يقود صاحبه إلى كل باب من أبواب الخير:
- إذا ذُكر المصطفَون فأهل القرآن في مقدمتهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾.
- وإذا ذُكر الجهاد بالحجة فبالقرآن يكون: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52].
- وإذا ذُكر العلماء فالقرآن في صدورهم: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49].
- وإذا ذُكرت القلوب النقية فالقرآن شفاؤها: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57].
الأجور المضاعفة
«من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».
رواه الترمذي (2910) وقال: حسن صحيح غريب، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه
الرفعة في الدنيا والآخرة
«إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين».
رواه مسلم (817) من حديث عمر رضي الله عنه
«يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا ربِّ حَلِّه، فيُلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا ربِّ زِدْه، فيُلبس حُلّة الكرامة. ثم يقول: يا ربِّ ارضَ عنه، فيرضى عنه. فيقال له: اقرأ وارقَ، ويُزاد بكل آية حسنة».
رواه الترمذي (2915) وقال: حسن صحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
الشفاعة
«اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرقان من طير صوافّ، تُحاجّان عن أصحابهما. اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة».
رواه مسلم (804) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه
كرامة الوالدين
قال الإمام الشاطبي في مطلع منظومته:
يشير إلى ما رُوي في إلباس والدَي صاحب القرآن تاجًا يوم القيامة، وهو عند أبي داود (1453) وفي إسناده ضعف؛ وفضل الله واسع، وولد الرجل من كسبه.
«لو كان القرآن في إهابٍ ما أكلته النار»
«لو كان القرآن في إهابٍ ما أكلته النار».
رواه أحمد (17365) بنحوه من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وحسّنه الألباني
والإهاب: الجلد. ومن أحسن ما قيل في معناه — وذكره الطِّيبي في شرح المشكاة — أنه تمثيل على سبيل المبالغة: إذا كان القرآن لو جُعل في جلدٍ حقير لم تمسّه النار ببركته، فكيف بمؤمن وعاه في صدره، وتدبّر معانيه، وواظب على تلاوته، وعمل به بجوارحه؟ فذلك أرجى أن يُزحزَح عن النار: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].
من أخبار أهل القرآن
بركة الأعمار
من لطائف ما يُلحظ في تراجم أئمة القراءة ورواتهم: أن كثيرًا منهم عُمِّر طويلًا في تعليم كتاب الله، ومن ذلك — على المشهور في كتب تراجم القراء:
| القارئ | مولده ووفاته | عمره تقريبًا |
|---|---|---|
| قالون (راوي نافع) | 120 – 220هـ | 100 سنة |
| ورش (راوي نافع) | 110 – 197هـ | 87 سنة |
| قنبل (راوي ابن كثير) | 195 – 291هـ | 96 سنة |
| هشام (راوي ابن عامر) | 153 – 245هـ | 92 سنة |
| شعبة (راوي عاصم) | 95 – 193هـ | 98 سنة |
| حفص (راوي عاصم) | 90 – 180هـ | 90 سنة |
| يعقوب الحضرمي | 117 – 205هـ | 88 سنة |
ليست هذه قاعدة مطّردة؛ فمن القراء من مات دون ذلك. والبركة الحقيقية في العمر أن يُعمَر بطاعة الله، طال أو قصر. «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (رواه البخاري (5027)).
نافع المدني
قال تلميذه قالون: «كان نافع من أطهر الناس خُلُقًا، ومن أحسن الناس قراءة، وكان زاهدًا جوادًا، صلّى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ستين سنة».
قالون: الأصمّ الذي يردّ الخطأ بالنظر
كان عيسى بن مينا قالون شديد الصمم، ومع ذلك كان يُقرئ القرآن؛ ينظر إلى شفتَي القارئ فيردّ عليه اللحن والخطأ. فمن صدق مع القرآن يسّر الله له سبيله.
ورش: رحلة من مصر إلى المدينة
رحل عثمان بن سعيد «ورش» من مصر إلى المدينة ليقرأ على نافع، فوجد حلقته لا تُطاق القراءة فيها من كثرة الطلاب، وإنما يُقرئ كل واحد ثلاثين آية. فتوسّل إليه ببعض أصحابه، فأمره نافع أن يبيت في المسجد، فلما كان الفجر قدّمه على الناس لغربته. وكان حسن الصوت، فقرأ ثلاثين آية، ثم جعل الطلاب يهبونه من نصيبهم عشرًا عشرًا إكرامًا للغريب الذي ما جاء لتجارة ولا لحجّ، وإنما جاء للقرآن خاصة. فما زال يقرأ عليه حتى ختم ختماتٍ قبل أن يخرج من المدينة.
شعبة: ثمانية عشر ألف ختمة
أبو بكر شعبة بن عياش، راوي عاصم. لما حضرته الوفاة بكت أخته، فقال لها:
ما يُبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية؛ فقد ختمتُ فيها ثمان عشرة ألف ختمة.
غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (1/327)
ولمزيد من أخبار القرآن وأهله: الأسرة المسلمة والقرآن الكريم، وكتّاب الوحي، وأدلة وجوب القراءة بالتجويد.
الخلاصة
- ورثة الكتاب هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.
- الصحيح أن الأقسام الثلاثة موعودون بالجنة؛ ولذا كانت الآية من أرجى آيات القرآن، مع بقاء الخوف من عقوبة الذنب.
- المقتصد من أدّى الفرائض وترك المحرمات، والسابق من زاد على ذلك النوافل وترك المكروهات.
- الطريق إلى السبق: الفرائض أولًا ثم النوافل، على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
- القرآن — تلاوةً وتدبرًا وعملًا — أعظم ما يرتقي به العبد في هذه المراتب.
أسئلة شائعة
ما معنى «الظالم لنفسه» في آية فاطر؟
هو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ يفرّط في بعض الواجبات أو يرتكب بعض المحرمات. وسُمّي ظالمًا لنفسه لأنه نقصها حظها من الثواب وعرّضها للعقاب.
ما الفرق بين المقتصد والسابق بالخيرات؟
المقتصد يقتصر على أداء الواجبات وترك المحرمات. والسابق بالخيرات يزيد على ذلك: فعل المستحبات، وترك المكروهات وبعض المباحات تورّعًا.
لماذا عُدّت هذه الآية من أرجى آيات القرآن؟
لأن الله وعد فيها الأقسام الثلاثة — وأولهم الظالم لنفسه — بجنات عدن، ولم يخرج من المسلمين أحد عن هذه الأقسام.


