جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الأسرة المسلمة والقرآن الكريم: كيف يربي القرآن القلوب ويصنع الأخلاق في البيت؟ — إسماعيل العضامي

البيت الذي يُتلى فيه القرآن بيت حيّ، تحضره الملائكة، وتطمئن فيه القلوب، وتزكو فيه الأخلاق. والقرآن هو أعظم مربٍّ للزوجة والأبناء والبنات؛ ينقلهم من الظلمات إلى النور، ومن سيئ الأخلاق إلى مكارمها، ومن سفاسف الأمور إلى معاليها. وفي هذا المقال بيان ذلك من القرآن وأقوال السلف وقصصهم.

الأسرة المسلمة والقرآن الكريم

أولًا: القرآن يربّي القلوب

قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]

وقال تعالى:

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107–109]

وقال تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15–16]

فالقرآن يربّي القلوب، ويُذهب قسوتها وخبثها، ويربّيها على التزكية ومكارم الأخلاق، وينهاها عن دفائن السوء.

قال وهيب بن الورد: «نظرنا في هذا الحديث، فلم نجد شيئًا أرقّ لهذه القلوب، ولا أشدّ استجلابًا للحق من قراءة القرآن لمن تدبّره».

حلية الأولياء (8/ 142)

وقال كعب: «عليكم بالقرآن؛ فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب عهدًا بالرحمن».

حلية الأولياء (5/ 376)

وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: أوصني، فقال: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سمعك؛ فإنه خيرٌ تُؤمر به، أو شرٌّ تُنهى عنه».

ثانيًا: القرآن يصنع الأخلاق الطيبة

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. والقرآن يصنع قلوبًا جديدة، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]

وقال العلماء: إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الأخلاق قوله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]

من أقوال السلف في أثر القرآن

قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: «اقرؤوا القرآن، ولا تغرّنكم هذه المصاحف المعلّقة؛ فإن الله لا يعذّب قلبًا هو وعاء للقرآن».

وقال مالك بن دينار: «يا حملة القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض؛ فإن الله ينزل الغيث من السماء إلى الأرض، فيصيب الحُشّ، فتكون فيه الحبّة، فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتزّ وتخضرّ وتحسن. فيا حملة القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب سورة؟ أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟».

حلية الأولياء (2/ 358–359)

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين».

البيت الذي يُتلى فيه القرآن

قال أبو هريرة رضي الله عنه: «إن البيت الذي يُتلى فيه القرآن اتّسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يُتلى فيه كتاب الله عز وجل ضاق بأهله، وقلّ خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشياطين».

وقال بعض العلماء: إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم؛ يقول: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهو ظالم لنفسه، ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ وهو منهم. فالعبرة بالعمل بالقرآن: بإحلال حلاله، وتحريم حرامه.

ثالثًا: القرآن يهذّب الأخلاق السيئة

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنْذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 1–6]

وقد قيل في تفسيرها: الزم مكارم الأخلاق وأعلاها، وابتعد عن قبيح الأخلاق التي يتصف بها المشركون، ولا تمنن بعطائك مستكثرًا له؛ فإن الكريم يستقلّ ما يعطي ولو كان كثيرًا، ولا ينتظر العوض إلا من الله.

وقال تعالى:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]

قال ابن كثير: «يذكّر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، يتلو عليهم آيات الله المبيّنات، ويزكّيهم؛ أي: يطهّرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية».

تفسير القرآن العظيم

وقال السعدي: «ويزكّيهم؛ أي: يطهّر أخلاقهم ونفوسهم بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة؛ وذلك كتزكيتهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع إلى التحابّ والتواصل والتوادّ».

تيسير الكريم الرحمن

قصة توبة الفضيل بن عياض

حكى الذهبي في «سير أعلام النبلاء» قصة توبته فقال: «كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن. فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نُصبح؛ فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا. قال: ففكّرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني! وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام».

رابعًا: خوف المشركين على أبنائهم ونسائهم من القرآن

لقد أدرك المشركون أثر القرآن في البيوت، فخافوا منه على نسائهم وأبنائهم:

لما أراد أبو بكر رضي الله عنه الخروج من مكة لقيه ابن الدَّغِنة فردّه وأجاره، فكان يعبد ربه في داره، ثم بدا له فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه…

رواه البخاري (3905) في قصة الهجرة

وكان مذهب المشركين في مواجهة القرآن ما حكاه الله عنهم:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]

قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي

حذّرت قريش الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه تحذيرًا شديدًا من سماع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى حشا القطن في أذنيه لئلا يسمعه، ولكن رحمة الله إذا أراد نفاذها إلى القلوب لم يمنعها شيء:

قال الطفيل: «فأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته… فعرض عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق».

سيرة ابن هشام

كيف نُحيي بيوتنا بالقرآن؟

  • وِرد يومي للأسرة: ولو صفحة يقرؤها أفراد البيت معًا.
  • حلقة تحفيظ للأبناء في البيت أو المسجد، مع تشجيعهم ومكافأتهم.
  • تدبّر آية في اليوم يُناقَش معناها على مائدة الطعام أو قبل النوم.
  • القدوة: أن يرى الأبناء أباهم وأمهم يتلوان القرآن ويعملان به.
  • سورة البقرة في البيت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» رواه مسلم (780).

الخلاصة

  • القرآن يربّي القلوب ويُذهب قسوتها، وهو أرقّ شيء للقلوب لمن تدبّره.
  • القرآن يصنع الأخلاق الطيبة، ويهذّب السيئ منها، وبه زكّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.
  • البيت الذي يُتلى فيه القرآن يتسع بأهله وتحضره الملائكة.
  • أدرك المشركون أثر القرآن فخافوا منه على نسائهم وأبنائهم، فأولى بنا أن نُحيي به بيوتنا.

اقرأ أيضًا: عقوق الآباء للأبناء