كثيرًا ما نسمع عن عقوق الأبناء للآباء، وقليلًا ما نسمع عن عقوق الآباء للأبناء! وهو تفريط يقع فيه كثير من الوالدين في حق أولادهم، وثمرته المرة ما نراه من فساد في الأجيال. وفي هذه الخطبة بيانٌ لمسؤولية الوالدين، ثم وقوفٌ على اثني عشر مظهرًا من مظاهر هذا العقوق.
مسؤولية الوالدين في تربية الأولاد
أمر الله عز وجل بحسن تربية الولد وحسن تهيئته، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: 6]
وقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]
وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132]
وقال صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا».
متفق عليه
وعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَدِّبُوا أَوْلَادَكُمْ عَلَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ: عَلَى حُبِّ نَبِيِّكُمْ، وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ».
رواه صاحب «مسند الفردوس»
ويُروى: «رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ ابْنَهُ عَلَى بِرِّهِ».
ومن هذه النصوص وغيرها كثير يتبيّن لك -أيها الحبيب- عِظَمُ المسؤولية الملقاة على عاتق الوالدين تجاه أولادهما، وهي مسؤولية يتغافل عنها بعض الآباء في حق أبنائهم؛ وما هذه المخالفات الشرعية المنتشرة في مجتمعات المسلمين إلا ثمرةٌ لهذا التفريط في تربية الأولاد.
ويمكن الوقوف على أبرز مظاهر هذا العقوق وأسباب فساد الأجيال في النقاط الآتية:

أولًا: ترك تقوى الله الموصلة إلى صلاح الذرية
إن تقوى الله تعالى هي الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة، وتحقيق الإيمان في حياة العبد ينعكس على جو الأسرة انعكاسًا إيجابيًّا. وتأمل قول الله تعالى:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 89–90]
فمسارعة هذا النبي الكريم في الخيرات، وكثرةُ دعائه، كان لها الأثر الأكبر في صلاح الزوجة والذرية المباركة.
قال سفيان بن عيينة لأصحابه يومًا: من أنفع الناس لأخيه؟ فجعلوا يقولون: فلان، فيقول: لا! فيقولون: فلان، فيقول: لا. ثم قال: أنفع الناس لأخيه موسى عليه السلام، دعا ربه فقال:
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 29–36]
فبدعائه لأخيه جعله الله نبيًّا كريمًا، فما أعظم هذا النفع!
وقال بعض السلف: إني لأعصي الله تعالى فأعرف ذلك في خُلُق زوجتي وولدي ودابتي.
قصة مبارك وابنه عبد الله بن المبارك
كان هناك رجل اسمه نوح بن مريم، ذو نعمة ومال وثراء وجاه، وفوق ذلك صاحب دين وخلق، وكانت له ابنة غاية في الجمال، ذات منصب وجمال، وفوق ذلك صاحبة دين وخلق.
وكان معه عبد اسمه مبارك، لا يملك من الدنيا قليلًا ولا كثيرًا، ولكنه يملك الدين والخلق، ومن ملكهما فقد ملك كل شيء.
أرسله سيده إلى بساتين له، وقال له: اذهب إلى تلك البساتين، واحفظ ثمرها، وكن على خدمتها إلى أن آتيك. فمضى الرجل وبقي في البساتين شهرين، ثم جاءه سيده ليستجمّ ويستريح في بساتينه.
فجلس تحت شجرة وقال: يا مبارك، ائتني بقطف من عنب. فجاءه بقطف فإذا هو حامض، فقال: ائتني بقطف آخر، إن هذا حامض. فأتاه بآخر فإذا هو حامض، فقال: ائتني بآخر، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض.
فكاد أن يستولي عليه الغضب، وقال: يا مبارك، أطلب منك قطف عنب قد نضج، وتأتيني بقطف لم ينضج! ألا تعرف حلوه من حامضه؟
قال: والله ما أرسلتني لآكله، وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته، والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والذي لا إله إلا هو ما راقبتُك، ولا راقبتُ أحدًا من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فأُعجب به وبورعه، وقال: الآن أستشيرك، والمؤمنون نَصَحة، والمنافقون غَشَشة، والمستشار مؤتمن؛ وقد تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوّج هذه البنت؟
فقال مبارك: لقد كان أهل الجاهلية يزوّجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوّجون للمال، والنصارى للجمال، وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوّجون للدين والخلق، وعلى عهدنا هذا للمال والجاه، والمرء مع من أحب، ومن تشبّه بقوم فهو منهم.
فأيّ نصيحة وأيّ مشورة! نظر وقدّر وفكّر وتملّى، فما وجد خيرًا من مبارك، فقال له: أنت حر لوجه الله -أعتقه أولًا- ثم قال: لقد قلّبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت. قال: اعرض عليها.
فذهب وعرض على البنت، وقال لها: إني قلّبت ونظرت، وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمباركٍ. قالت: أترضاه لي؟ قال: نعم. قالت: فإني أرضاه؛ مراقبةً للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فكان الزواج المبارك من مبارك.
فما الثمرة؟ وما النتيجة؟ حملت هذه المرأة، وولدت طفلًا سمّياه عبد الله، ولعل الكل يعرف هذا الرجل: إنه عبد الله بن المبارك، المحدِّث الزاهد العابد، الذي ما من إنسان قلّب صفحة من كتب التاريخ إلا وجده حيًّا بسيرته وذكره الطيب.
إن ذلك ثمرة مراقبة الله عز وجل في كل شيء.
ثانيًا: التفريط في اختيار الأم الصالحة
فمن حق الولد على أبيه أن يختار له أمًّا صالحة طيبة، ذات أصل طيب وخلق قويم؛ ففي الصحيحين وغيرهما قال صلى الله عليه وسلم:
«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».
متفق عليه
إن الأم اللاهية الغافلة لا تصنع أجيالًا ولا تربي رجالًا، وإن الأم التي تعيش لتأكل وتتزين وتخرج وتزور أقاربها -وهذه حياتها كلها- لا تصلح لبناء هذه الأمة.
الأم محضن الرجال ومصنع الأبطال
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كانت أمي تكون مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، وكنت ألزمه بالنهار.
تاريخ دمشق لابن عساكر (33/ 85)
فنشأ ابن مسعود ملازمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان صاحبَ سواكه ووساده ونعليه.
قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم. فألبستني ثيابًا مشمّرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعمّمتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.
وقال رحمه الله: كانت أمي تعمّمني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه.
صفية بنت عبد المطلب وابنها الزبير بن العوام
والزبير بن العوام رضي الله عنه أمه صفية بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم. كانت صفية تضربه وهو صغير وتُغلظ عليه، فعاتبها نوفل وقال: ما هكذا يُضرب الولد! إنك لتضربينه ضرب مُبغِضة. فرجزت به صفية:
فكانت ثمرة هذه التربية أن صار الزبير من أشجع الصحابة؛ فقد روى ابن سعد بإسناد صحيح عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت على الزبير عمامة صفراء معتجرًا بها يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ عَلَى سِيمَاءِ الزُّبَيْرِ».
أسماء بنت أبي بكر وابنها عبد الله بن الزبير
بعد انتهاء موسم الحج نادى الحجاج في الناس أن يعودوا إلى بلادهم؛ لأنه سيعود إلى ضرب البيت بالحجارة، وبالفعل بدأ يضرب الكعبة، وشدّد على ابن الزبير، وتحرّج موقفه، وانفضّ عنه معظم أصحابه، ومنهم ابناه حمزة وخبيب، اللذان ذهبا إلى الحجاج وأخذا منه الأمان لنفسيهما.
فلما رأى ذلك دخل على أمه فقال لها: يا أُمَّه، خذلني الناس حتى ولديّ وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟
فقالت: أنت -والله- يا بني أعلم بنفسك؛ إن كنت تعلم أنك على الحق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكت نفسك، وأهلكت من قُتل معك، وإن قلت: كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفتُ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟! القتل أحسن.
فدنا ابن الزبير فقبّل رأسها وقال: هذا -والله- رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تُستحلّ حرمه، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتدّ حزنك، وسلّمي الأمر لله؛ فإن ابنك لم يتعمّد منكرًا، ولا عملًا بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمّد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمّالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثرَ عندي من رضا ربي. اللهم إني لا أقول هذا تزكيةً مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزيةً لأمي لتسلو عني.
فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدّمتني، وإن تقدّمتُك ففي نفسي، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. قال: جزاكِ الله يا أمه خيرًا، فلا تدعي الدعاء لي قبلُ وبعدُ. فقالت: لا أدعه أبدًا، فمن قُتل على باطل فقد قُتلتَ على حق.
ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبرّه بأبيه وبي، اللهم قد سلّمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين. فتناول يديها ليقبّلهما، فقالت: هذا وداع فلا تَبْعُد.
فلما خرج للقتال رُمي بآجُرّة فأصابته في وجهه، فأُرعش لها، ودَمِيَ وجهه، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه ولحيته قال:
وقاتلهم قتالًا شديدًا، فتعاونوا عليه فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة، وله ثلاث وسبعون سنة، وحُمل رأسه إلى الحجاج. وسار الحجاج وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكرَ من هذا. فقال الحجاج: أتمدح مخالف أمير المؤمنين؟! قال: نعم، هو أعذر لنا، ولولا هذا لما كان لنا عذر؛ إنا محاصروه منذ سبعة أشهر، وهو في غير جند ولا حصن ولا منعة، فينتصف منا، بل يفضل علينا. فبلغ كلامهما عبد الملك فصوّب طارقًا.
وقد ذُكر أن ابن الزبير قال يوم استشهاده: ما أُراني اليوم إلا مقتولًا، لقد رأيت في ليلتي كأن السماء فُرجت لي فدخلتها، فقد -والله- مللت الحياة وما فيها.
ولما قُتل عبد الله خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه وهي على دابة، فأقبل الحجاج في أصحابه، فسأل عنها فأُخبر بها، فأقبل حتى وقف عليها فقال: كيف رأيتِ نصرَ الله الحقَّ وإظهاره؟ قالت: ربما أُديل الباطل على الحق، وإنك بين فرثها والجِيّة.
فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]، وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم.
قالت: كذبت! كان أول مولود وُلد في الإسلام بالمدينة، وسُرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنّكه بيده، وكبّر المسلمون يومئذ حتى ارتجّت المدينة فرحًا به، وقد فرحتَ أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برًّا بالوالدين، صوّامًا قوّامًا بكتاب الله، معظّمًا لحرم الله، يُبغض أن يُعصى الله عز وجل.
ولما قتل الحجاج بن يوسف عبدَ الله بن الزبير دخل على أسماء بنت أبي بكر وقال لها: يا أُمَّهْ، إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لستُ لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدّثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: «يَخْرُجُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ»، فأما الكذاب فقد رأيناه -تعني المختار- وأما المُبير فأنت.
وأصل الحديث في صحيح مسلم
ثالثًا: تسميتهم بالأسماء القبيحة أو الغريبة
قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ».
رواه أبو داود
فاختيار الاسم أمر مهم جدًّا؛ إذ يكون علَمًا على هذا الابن في حِلّه وترحاله، وفي علاقاته، وحركاته وسكناته، ونشاطاته. وفي معاجم الأسماء آلاف الأسماء الحسنة المرتبة ترتيبًا جيدًا، فليقتنِ الأب كتابًا منها يعينه على حسن الاختيار.
روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ».
وكان صلى الله عليه وسلم إذا لم يعرف اسم إنسان قال له: «ادْنُ مِنِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ»، وهذا اسم يطلق على الكل.
وعن جابر رضي الله عنه قال: وُلد لرجل منا غلام فسمّاه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة -ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبو القاسم- فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ».
رواه البخاري ومسلم
وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر رواه أبو داود فقال: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ». وقد خرج على الناس صبيحة يوم وقال لهم: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ». رواه مسلم.
وأورد أهل السير أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ولده، فأحضر عمر الولد، وأنّبه على عقوقه لأبيه ونسيانه لحقوقه.
فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال عمر: بلى، أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلّمه الكتاب (القرآن).
فقال الولد: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك؛ أما أمي فزنجية، وقد سمّاني جُعَلًا (خنفساء)، ولم يعلّمني من الكتاب حرفًا.
فالتفت عمر إلى الرجل وقال: جئتَ تشكو عقوق ولدك، وقد عققتَه قبل أن يعقّك، وأسأتَ إليه قبل أن يسيء إليك!
السمرقندي، تنبيه الغافلين
الاسم له أثر على صاحبه
فعن سعيد بن المسيب عن أبيه أن أباه (حَزْنًا) جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مَا اسْمُكَ؟» قال: حَزْن، فقال: «أَنْتَ سَهْلٌ». قال: لا أغيّر اسمًا سمّانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحُزونة فينا بعدُ.
رواه البخاري
والحُزونة: غلظ الوجه، وشيء من القساوة.
رابعًا: عدم الاكتراث بالولد وإهمال حقوقه الأولى
يفقد بعض الآباء شعور الاهتمام تجاه أولادهم، فهم في نظره أطفال وإن بلغوا أربعين عامًا! وهذه النظرة القاصرة تجعله لا يعتمد عليهم، ولا يرتقي في معاملتهم إلى مستوى تحمّل المسؤولية.
والعناية بالطفل تبدأ قبل أن يدخل رحم أمه؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ».
متفق عليه
أي: لم يضرّ الشيطانُ هذا الولد. قال الإمام الداودي: معنى «لم يضرّه» أي: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر. وليس المراد أن هذا الابن معصوم من المعصية، وإنما المعنى أن الشيطان لا يضرّه فيهوي به إلى الكفر، إذا استعاذ الزوج بالله من الشيطان الرجيم قبل اللقاء.
ومن حقوق الأولاد أن يُذبح عن الغلام شاتان، وعن الأنثى شاة، وتجزئ شاة عن الغلام أيضًا، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله، وهذا ما يسمى بالعقيقة أو النسيكة. ومن حِكَم مشروعيتها: شكرُ الله عز وجل على عطائه وآلائه، والتقرب إليه بالذبح والتصدق والإطعام، والتكافل والتعاون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى».
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد
وقوله: «رهينة بعقيقته» فسّره الإمام أحمد بأنه محبوس عن الشفاعة في أبويه.
خامسًا: ترك تنشئة الولد على الأخلاق الإسلامية
فينبغي على الوالدين تربية أولادهما تربية صالحة ينجون بها من النار، ويسعدون في الدنيا والآخرة، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، أي: مُروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هَمَلًا فتأكلهم النار يوم القيامة.
قال الغزالي رحمه الله: والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نُقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمال به إليه؛ فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلّم له ومؤدّب، وإن عُوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له.
وإذا كان الأب يصونه عن نار الدنيا، فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته عن نار الآخرة بأن يؤدّبه ويهذّبه.
وقال بعضهم: «لاعِبْ ولدك سبعًا، وأدِّبه سبعًا، وراقبه سبعًا، ثم اترك حبله على غاربه».
من وصايا الغزالي في تأديب الصبي (باختصار)
- أول ما يغلب عليه من الصفات شَرَه الطعام، فينبغي أن يؤدَّب فيه، فلا يأخذ الطعام إلا بيمينه.
- أن يُعوَّد ألا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وألا يحدّق النظر إليه ولا إلى من يأكل، وألا يسرع في الأكل.
- أن تُقبَّح عنده كثرة الأكل، ويُمدح عنده الصبي المتأدّب القليل الأكل.
- أن يُعلَّم أن العبرة بالعلم والنفس، لا بالمنظر والمال والوضع الاجتماعي.
- أن تُحبَّب إليه الثياب البيض دون الملوّنة.
- أن يُعلَّم كيفية الجلوس وآدابه خاصة مع الغير، ويُمنع كثرة الكلام، وأن يبتدئ بالكلام، ويُعلَّم ألا يتكلم إلا جوابًا وبقدر السؤال.
وما أحسن قول الشاعر:
ثم قال الغزالي: وإن الصبي إذا أُهمل في ابتداء نشأته خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذّابًا، حسودًا، سَروقًا، نمّامًا، لَحوحًا، ذا فضول وضحك وكِياد ومجانة، وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يُشغل في المكتب، فيتعلم القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم؛ لينغرس في نفسه حب الصالحين، ويحفظ من الشعر والنثر الأدبي ما يقوّم لسانه، ويجعله محبًّا للغة العربية عاشقًا لها.
سادسًا: المعاملة الفظة الغليظة للولد وكثرة ضربه وإهانته
فمن حق الولد الرفق في معاملته:
عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشيّ -الظهر أو العصر- وهو حاملٌ أحد ابنيه: الحسن أو الحسين، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة أطالها. قال أبي: فرفعت رأسي من بين الناس، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، وإذا الغلام راكب على ظهره، فعدت فسجدت.
فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: يا رسول الله، لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أُمرت به، أو كان يوحى إليك؟ قال: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ».
رواه الحاكم
سابعًا: تركه فريسة للمدارس دون رقابة
يُهمل بعض الآباء تربية أولادهم في محيط الأسرة؛ اعتمادًا على التربية المدرسية، وهذا فيه تقصير شديد من الناحية التربوية؛ فإن التربية الأسرية لا استغناء عنها، وهي الغذاء الأساس للطفل، فإذا فُقدت لم ينتفع الطفل بما يتعلمه في المدارس وغيرها من المؤسسات التعليمية.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية.
متفق عليه
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ».
أخرجه الترمذي
وقد كان العلماء والخلفاء والصالحون يهتمون بذلك أعظم الاهتمام:
قال عبد الملك بن مروان ينصح مؤدّب ولده: علّمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم، واضربهم على الكذب؛ فإن الكذب يدعو إلى الفجور، وإن الفجور يدعو إلى النار.
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدرّبون أولادهم ويروّضونهم على الصلاة والصيام والأخلاق الحسنة، ويعلّمونهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة. قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كنا نعلّم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلّمهم السورة من القرآن.
خطر المدارس العلمانية ومخططات التبشير
إن المدارس العلمانية المنتشرة في البلاد طولًا وعرضًا -خاصة مدارس اللغات والمدارس الخاصة- يُدسّ فيها السم في العسل؛ فترك الذرية فريسة لهذه المدارس ومناهجها الهدامة خسارة عظيمة، وما تيار الإلحاد والعلمانية والليبرالية المنتشر في الكليات والجامعات إلا ثمرة مرّة لهذه الأفكار التي تربّى عليها أطفالنا في تلك المدارس.
وليس معنى هذا هجر تلك المدارس، وإنما المقصود أن تكون هناك رقابة من الأسرة على المواد الدراسية والمناهج التعليمية، وإصلاح المعوجّ منها قبل أن يتشرّبها الأطفال والشباب وهم لا يشعرون، وإلا فالأَولى ترك ذلك، وصرف الأولاد إلى التعليم الأزهري المصون عن كثير من هذه السموم المنهجية.
يقول المبشّر النصراني (جون موط): «إن الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكرًا جدًّا، من أجل ذلك يجب أن يُحمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم الرشد، قبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية».
ولم يكتفِ هؤلاء بالمدارس الإرسالية، بل عمدوا في بعض الحالات إلى فتح المدارس العلمانية؛ بغية إحكام السيطرة على تربية أبناء المسلمين وتدمير عقيدتهم؛ لأنهم إذا فشلوا في جذب أبناء المسلمين إلى مدارسهم وتلقينهم المبادئ النصرانية، فإنهم يكونون -على الأقل- قد حطّموا مبادئهم من الداخل، وهذا ما جاء في كلام المبشّر (زويمر):
«ما دام المسلمون ينفرون من المدارس المسيحية، فلا بد أن ننشئ لهم المدارس العلمانية، ونسهّل التحاقهم بها، هذه المدارس التي تساعدنا على القضاء على الروح الإسلامية عند الطلاب».
ولا شك في نجاح أعدائنا بدرجة كبيرة في هذا، وما ظاهرة الإلحاد التي نراها الآن ونسمع عنها في الجامعات والمعاهد إلا ثمرة هذه المدارس العلمانية الخبيثة.
وعملية التبشير تدار الآن على قدم وساق: ومن ذلك المواد الدراسية الملوّثة بتمييع قضايا الولاء والبراء، ونشر العلمانية والحرية المطلقة، وقتل معاني الانتماء للدين، وبثّ روح الكراهية والحقد على التاريخ الإسلامي، وبناء حاجز رهيب بين المسلمين وبين لغتهم العربية -لغة القرآن والسنة- وجعل اللغات الأجنبية أحب إلى الطلاب من اللغة العربية، إلى غير ذلك من المفاهيم الخاطئة المنتشرة في مناهجنا الدراسية.
ثامنًا: إهمال التربية العملية على العبادات
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».
رواه أحمد وأبو داود والحاكم
وعن الرُّبَيِّع بنت معوّذ رضي الله عنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ». قالت: فكنا نصومه بعدُ، ونصوّم صبياننا -زاد مسلم: ونذهب بهم إلى المسجد- ونجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.
متفق عليه
ففي الحديث مشروعية تمرين الصبيان على الصيام، وتعويدهم صلاة الجماعة في المسجد. وقال عمر رضي الله عنه للذي أفطر في رمضان موبّخًا له: كيف تفطر وصبياننا صيام؟!
تاسعًا: التقصير في النفقة عليه أو التبذير فيها
من أعظم مظاهر العقوق: بخل بعض الآباء على أبنائهم بلا مبرّر، قال الله تعالى:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]
وقال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]
وقال صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
رواه أحمد وأبو داود، وصححه الإمام النووي
فربما نجد من بعض الآباء بخلًا غير مبرَّر على أبنائهم، وربما نجد العكس: تبذيرًا في إجابة كل ما يريده الأولاد من أغراض وأشياء، وهذا مفسد للولد، وذاك مفسد له، والمقصود هو التوسط في ذلك.
عاشرًا: الاستبداد بالرأي من قبل الوالدين
وخاصة إذا كان هذا الرأي متعلقًا بالأولاد، وأخطر هذا الاستبداد أخذ قرار بتزويج الفتاة دون رضاها، فهذا من أشد العقوق. وقد جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه أن أباها زوّجها ابن أخيه ليرفع بها خسيسته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها، فلما رأت الفتاة أن الأمر لها قالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساءَ أن ليس للآباء من الأمر شيء.
حادي عشر: غياب القدوة الصالحة في الأب والأم
لا بد أن يرى فيك ابنُك القدوةَ الصالحة، لا بد أن يرى فيك النموذج والمثال؛ فإن الرجل يظهر على صورته الحقيقية وأخلاقه داخل بيته، فلا بهرجة ولا تصنّع ولا أقنعة، وهذه الصورة الحقيقية الخالية من كل تزويق هي التي يتربى عليها الأولاد.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا يَعِدَنّ الرجلُ صبيَّه شيئًا ثم لا ينجزه له.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: من قال لصبي: تعال، هاكَ تمرًا، ثم لم يعطه شيئًا، فهي كذبة.
وقد ذمّ الله تعالى ومقت الذين تخالف أعمالُهم أقوالَهم، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2–3]
إنه لتناقض عجيب أن يتلقّن الأبناء البرّ كلمات وشعارات، وهم يرون مشاهد الإهانة وسوء الخلق ليل نهار! فمن أين يأتي البر المنشود؟!
إنها سلسلة ذات حلقات -بالسلب أو بالإيجاب- تتوارثها أجيال عقب أجيال، وفق سنة لا تتخلف: الجزاء من جنس العمل، كما في الأثر: «بَرُّوا آباءكم تَبَرَّكم أبناؤكم». فمن ورث البرّ كابرًا عن كابر ورّثه لمن بعده، وورث هو قرة عين تهنأ بها حياته، وتسعد بها أيامه، ويرجو بها النجاة في الآخرة. وكما تدين تدان، والبادئ أظلم.
الابن والبنت ليسا للتجارة والتربح
بعض الآباء يعدّ ابنه خزانةً للمال، لا يرى فيه إلا صندوقًا متحركًا للمال، وبعضهم يجعل من بناته مصدرًا للربح.
حكى بعضهم -وهو من الأردن- أن صديقًا له ذهب مع أهله لخطبة فتاة، فلما تمّ الاتفاق على كل شيء أحضر والد الفتاة دفترًا قديمًا، وقال له: عليك أن تدفع مبلغًا يساوي آلاف الدنانير! فلما سأله عن سر هذا المبلغ، أجاب الأب بأن هذه هي المصاريف التي أنفقها على ابنته منذ أن عرف أنها بنت وهي جنين في بطن أمها إلى تلك اللحظة! فقام الشاب غاضبًا وغادر المجلس هو وأهله.
ثاني عشر: ظلم الولد وعدم العدل بين الأولاد
قال صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ».
وهذا من أكبر أنواع عقوق الأب لأبنائه: أن يفرّق بينهم بأي نوع من أنواع التفريق، في المعاملة الأخلاقية أو المادية أو المعيشية، أو في العطايا والهدايا وغير ذلك؛ فهذا يقتل الولد، ويملؤه حقدًا على أبيه وعلى إخوته أيضًا. وتأمل حال إخوة يوسف، قال تعالى:
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8]
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ.
أخرجه البخاري ومسلم
وفي رواية: «أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثم قال: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قال: بلى، قال: «فَلَا إِذَنْ».
وفي أخرى: «أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءً؟» قال: نعم، قال: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي». وذكر مُجالد في حديثه: «إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، كَمَا أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ».
ويدخل في ذلك الظلم في الميراث، والظلم في الوصية، وغير ذلك.
الخلاصة
عقوق الآباء للأبناء تفريط في أمانة سيُسأل عنها الوالدان يوم القيامة، ومن أبرز مظاهره:
- ترك تقوى الله التي بها يصلح الله الزوجة والذرية.
- التفريط في اختيار الأم الصالحة ذات الدين.
- تسمية الأولاد بالأسماء القبيحة أو الغريبة.
- عدم الاكتراث بالولد، وإهمال حقوقه من أول نشأته.
- ترك تنشئته على الأخلاق الإسلامية.
- المعاملة الفظة الغليظة، وكثرة الضرب والإهانة.
- تركه للمدارس ومناهجها دون رقابة من الأسرة.
- إهمال تعويده العملي على الصلاة والصيام.
- البخل في النفقة عليه، أو التبذير في إجابة كل رغباته.
- الاستبداد بالرأي، وإكراه البنت على الزواج.
- غياب القدوة الصالحة في البيت.
- الظلم وعدم العدل بين الأولاد في العطايا والمعاملة.
هذا ما تم جمعه وتحريره، وقد راعيت فيه الاختصار لمقام الخطبة.
محبكم: إسماعيل العضامي


