جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

كتّاب الوحي: من هم؟ وكم عددهم؟ وكيف كُتب القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم — إسماعيل العضامي

تكفّل الله تعالى بحفظ كتابه فقال:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

وقد اجتمع للقرآن الكريم حفظان: حفظ الصدور وهو الأصل، وحفظ السطور بالكتابة، وكلاهما من آيات حفظ الله لكتابه. وفي هذا المقال بيان هذين الحفظين، ومن هم كتّاب الوحي الذين اصطفاهم النبي صلى الله عليه وسلم لكتابة القرآن، وكم كان عددهم. وانظر قبله: صور نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم.

كتّاب الوحي

حفظ القرآن في الصدور

تكفّل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن في صدره فقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: 6]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، وقال:

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۝ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16–19]

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان يحرّك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، قال: فاستمع له وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه. «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ».

متفق عليه: البخاري (5) ومسلم (448)

ورزق الله نبيه صلى الله عليه وسلم أصحابًا حفظوا القرآن وعلّموه من بعدهم، فتناقلته الأجيال جيلًا بعد جيل، فلا يُعلم كتاب في الدنيا حُفظ وقُرئ كما حُفظ القرآن الكريم وقُرئ.

حفظ القرآن بالكتابة

اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتّابًا للوحي ممن يحسنون الكتابة من أصحابه، عُرفوا بالديانة والأمانة والضبط؛ فمنهم من كان يكتب أحيانًا، ومنهم من لازم الكتابة وتخصص فيها. وكلما نزل شيء من القرآن دعا بعضهم فأملاه عليه، وأرشدهم إلى موضعه من سوره؛ ولهذا أجمع العلماء على أن ترتيب الآيات في سورها توقيفي.

عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادْعُ لِي زَيْدًا، وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ -أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ-»، ثم قال: «اكْتُبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾».

رواه البخاري (4990)

وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن فاجمعه.

رواه البخاري (4986)

وكانت الكتابة زيادة في التوثيق والضبط والاحتياط لكتاب الله تعالى؛ حتى تُظاهر الكتابةُ الحفظَ، ويعاضد النقشُ اللفظَ.

على أي شيء كانوا يكتبون القرآن؟

كتب الصحابة القرآن على ما تيسّر لهم من أدوات عصرهم، ثم كان المكتوب يُحفظ، ولم ينقضِ العهد النبوي إلا والقرآن كله مكتوب على هذا النحو، وإن لم يُجمع في مصحف واحد.

الأداةمعناها
العُسُبجريد النخل، يُكشط خوصه ويُكتب في طرفه العريض
اللِّخافحجارة بيضاء رقيقة
الأديمقطع الجلد المدبوغ
الرِّقاعقطع من الجلد أو الورق أو الكاغد
الأكتافعظم كتف البعير أو الشاة بعد جفافه
الألواحألواح من خشب أو غيره

كم عدد كتّاب الوحي؟

كم عدد كتاب الوحي

اختلف العلماء وأهل السير في عدد كتّاب النبي صلى الله عليه وسلم:

  • ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» ثلاثة وعشرين كاتبًا.
  • وعدّهم الدكتور محمد عبد الله دراز تسعة وعشرين كاتبًا.
  • وتتبّعهم المستشرق بلاشير في المصادر العربية كطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري وتهذيب النووي وسيرة الحلبي، فأوصلهم إلى أربعين كاتبًا.

سبب هذا الاختلاف أن كثيرًا من المصنفين يعدّون في «كتّاب النبي صلى الله عليه وسلم» كل من كتب له شيئًا: من الوحي، أو الرسائل إلى الملوك، أو العهود والمواثيق، أو الصدقات والغنائم؛ فليس كل من ذُكر منهم كاتبًا للوحي خاصة.

من هم كتّاب الوحي؟

أول من كتب له بمكة

ذكر الحافظ ابن حجر أن أول من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي السرح، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح وحسن إسلامه، وولي مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوفي نحو سنة 36 هـ. وقد ثبتت كتابة القرآن في العهد المكي، ومن أشهر شواهدها الصحيفة التي كانت عند فاطمة بنت الخطاب في قصة إسلام عمر رضي الله عنه.

أول من كتب له بالمدينة وألزمهم للكتابة

  • أُبيّ بن كعب الأنصاري الخزرجي، سيد القرّاء، وهو أول من كتب له بالمدينة، وتوفي نحو سنة 30 هـ.
  • زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، وهو أكثرهم ملازمة لكتابة الوحي، وإليه أسند أبو بكر جمع القرآن بعد أن استحرّ القتل بالقرّاء يوم اليمامة، ثم كان من أعمدة نسخ المصاحف في عهد عثمان، وتوفي سنة 45 هـ على الأشهر.
  • معاوية بن أبي سفيان، كتب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه عام الفتح، وفي صحيح مسلم (2501) أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ»، قال: «نَعَمْ».

الخلفاء الأربعة

كتب له أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولا سيما عثمان وعلي.

ومن كتب له في الجملة

  • خالد بن سعيد بن العاص، من السابقين إلى الإسلام، استشهد سنة 13 هـ.
  • أبان بن سعيد بن العاص، أخوه، أسلم بعد الحديبية، واستشهد سنة 13 هـ على الأشهر.
  • شرحبيل بن حسنة، من مهاجرة الحبشة، توفي في طاعون عمواس سنة 18 هـ.
  • حنظلة بن الربيع الأُسيدي، ويُعرف بحنظلة الكاتب.
  • عبد الله بن الأرقم الزهري، وكان يكتب رسائله إلى الملوك، وهو غير الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي صاحب الدار التي كان يجتمع فيها المسلمون بمكة، وقد ذكره بعضهم في الكتّاب أيضًا.
  • خالد بن الوليد، وإنما كتب بعد إسلامه في السنة الثامنة للهجرة قبل الفتح؛ فليس من كتّاب العهد المكي.
  • الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، وعبد الله بن رواحة، وثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، والعلاء بن الحضرمي، وعامر بن فهيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وحاطب بن عمرو، رضي الله عنهم أجمعين.

ذكر ابن حجر في «فتح الباري» جماعة ممن كتب للنبي صلى الله عليه وسلم في الجملة، ونبّه على أن زيد بن ثابت كان أكثرهم كتابة للوحي.

الخلاصة

المسألةالخلاصة
وسيلتا حفظ القرآنالحفظ في الصدور وهو الأصل، والكتابة في السطور
أدوات الكتابةالعسب واللخاف والأديم والرقاع والأكتاف والألواح
عدد الكتّاب23 عند ابن كثير، و29 عند دراز، و40 عند بلاشير
أول من كتب بمكةعبد الله بن سعد بن أبي السرح
أول من كتب بالمدينةأبيّ بن كعب
ألزمهم للوحيزيد بن ثابت

أسئلة شائعة

من أشهر كتّاب الوحي؟

أشهرهم زيد بن ثابت وأبيّ بن كعب، ثم الخلفاء الأربعة ومعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم.

هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب بنفسه؟

لا، كان صلى الله عليه وسلم أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من دلائل نبوته: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]؛ ولذلك اتخذ الكتّاب.

لماذا كُتب القرآن مع أنه محفوظ في الصدور؟

زيادة في التوثيق والضبط، حتى يعضد المكتوبُ المحفوظَ، وقد كانت هذه الصحف أساس جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثم نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنهما.

هل جُمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟

لا، كان مكتوبًا كله لكنه متفرق في الصحف والأدوات، ولم يُجمع بين دفتين إلا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.