جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

صور الوحي: تسع كيفيات كان الوحي ينزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم — إسماعيل العضامي

تنوعت صور الوحي وكيفياته على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر العلماء أنها تسع صور دلت عليها الأحاديث والآثار. وفي تنوعها دلالة على حكمة الله تعالى وقدرته المطلقة، وفي هذا المقال بيان هذه الصور التسع بأدلتها، ثم بيان أي هذه الصور كان طريقًا لنزول القرآن الكريم.

حكمة تنوع صور الوحي

ذكر العلماء لتنوع صور الوحي حكمًا، منها:

  • رحمة الله بنبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإن بعض الصور أشد عليه من بعض، فلو كان الوحي يأتيه على صورة واحدة شديدة لشقّ ذلك عليه.
  • زيادة يقين المؤمنين؛ إذ أطلعهم الله على بعض هذه الصور وأخفى عنهم بعضها، فيكون ما اطلعوا عليه عونًا لهم على الإيمان بما غاب عنهم.
  • إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن من صور الوحي ما يكون بلا واسطة بين الله تعالى وبين نبيه.
  • بيان منزلة الملائكة؛ فإن جبريل عليه السلام اختص ببعض صور الوحي، وشاركه غيره في بعضها.
  • البيان الصريح أن كل ما بلّغه النبي صلى الله عليه وسلم من الدين وحي من الله، سواء كان متعبَّدًا بتلاوته -وهو القرآن- أو متعبدًا بالعمل به -وهو السنة-.
صور الوحي السماوي

الصورة الأولى: مثل صلصلة الجرس

وهي أشد صور الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم.

عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ».

متفق عليه: البخاري (2) ومسلم (2333)

ومعناها أن النبي صلى الله عليه وسلم شبّه الصوت الذي يسمعه عند مجيء الوحي بصوت صلصلة الجرس. والصلصلة في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يُتبيّن أول ما يُسمع. وقال بعض العلماء: هو صوت خفق أجنحة الملك.

والحكمة في تقدّمه أن يقرع سمعه صلى الله عليه وسلم فلا يبقى فيه مكان لغير الوحي، وإنما كان شديدًا عليه ليجتمع قلبه، فيكون أوعى لما يسمع (انظر: فتح الباري لابن حجر، شرح الحديث الثاني من صحيح البخاري).

الصورة الثانية: أن يتمثل له الملك رجلًا

كما في الحديث السابق: «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». ولهذه الصورة أمثلة كثيرة، أشهرها حديث جبريل عليه السلام حين جاء في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، يسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، والحديث في صحيح مسلم (8). وكان يأتي أحيانًا في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه.

الصورة الثالثة: أن يأتيه الوحي وهو على هيئته البشرية ويتلقاه من الملك في صورته الملكية

وهي المقابلة للصورة الثانية؛ فبدل أن يتحول الملك إلى صورة البشر، يتهيأ النبي صلى الله عليه وسلم بتمكين الله له لتلقي الوحي من الملك على هيئته الملكية، فيأخذه عن الدنيا ما يأخذه من شدة الوحي، حتى كان جبينه يتفصّد عرقًا في اليوم الشديد البرد. وقد ذكر هذه الصورة جماعة من العلماء في كتب علوم القرآن.

الصورة الرابعة: الرؤيا في المنام بلا واسطة

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَانِي رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ…» الحديث، وفيه أن ذلك كان في المنام.

رواه أحمد والترمذي (3235)، وقال: حسن صحيح، ونقل عن البخاري تصحيحه

ورؤيا الأنبياء حق ووحي، ومن ذلك رؤيا إبراهيم عليه السلام ذبح ابنه، وقد كان أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، كما في حديث عائشة في صحيح البخاري (3).

الصورة الخامسة: الرؤيا في المنام بواسطة الملك

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا… فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يُجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة… فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد فرّق بين الناس.

رواه البخاري (7281)

الصورة السادسة: أن يرى جبريل على صورته التي خُلق عليها

فيراه له ستمائة جناح، ويوحي إليه على تلك الهيئة الملكية الأصلية، وقد وقع ذلك مرتين.

عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية… قلت: ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ».

رواه مسلم (177)

الصورة السابعة: الوحي على لسان إسرافيل عليه السلام

عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقُرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قُرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشرًا بمكة وعشرًا بالمدينة.

قال ابن كثير في البداية والنهاية (3/4): إسناد صحيح إلى الشعبي، وهو مرسل

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح هذا الوجه في الجمع بين الروايات في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة، ونقل السيوطي في «الإتقان» عن ابن عساكر أن الحكمة في توكيل إسرافيل به أنه الموكل بالصور الذي فيه هلاك الخلق وقيام الساعة، ونبوته صلى الله عليه وسلم مؤذنة بقرب الساعة.

الصورة الثامنة: تكليم الله له يقظة بلا واسطة

وذلك ليلة المعراج، حين فرض الله عليه الصلاة، وراجع ربه فيها حتى صارت خمسًا، كما في حديث الإسراء والمعراج في الصحيحين.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتُهي به إلى سدرة المنتهى… فأُعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحِمات.

رواه مسلم (173)

الصورة التاسعة: النفث في الرُّوع

وهو أن يُلقي الملك الوحي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم إلقاءً دون أن يراه.

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ».

رواه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2085) والسلسلة الصحيحة (2866)

خصائص الوحي القرآني: بأي هذه الصور نزل القرآن؟

ذكر أهل التحقيق أن للوحي القرآني خصائص، أهمها ثلاث:

أولًا: القرآن كله نزل يقظة لا منامًا

وأما حديث أنس رضي الله عنه: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا فقال: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ»، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (رواه مسلم 400)؛ فقد ذكر العلماء أن هذه الإغفاءة ليست نومًا، وإنما هي الحال التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، إذ كان يؤخذ عن الدنيا (انظر: الإتقان للسيوطي).

ثانيًا: لم ينزل شيء من القرآن إلهامًا أو نفثًا في الروع

بل كل القرآن من قبيل الكلام الظاهر المسموع؛ مبالغةً في توثيقه على أكمل الوجوه وأوضحها.

ثالثًا: كل القرآن نزل به جبريل عليه السلام

وهذا ظاهر النص القرآني، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: 193–194]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 102]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 97].

فجبريل عليه السلام هو أمين وحي السماء، ولا مانع أن ينزل غيره على النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي، لكن ليس بالقرآن؛ فإن هذا مختص بجبريل عليه السلام.

الخلاصة: جدول صور الوحي

الصورةصفتهادليلها
صلصلة الجرسصوت متتابع يسبق الوحي، وهي أشدهاحديث عائشة في الصحيحين
تمثل الملك رجلًايأتيه جبريل في صورة بشرحديث جبريل ودحية الكلبي
تلقيه من الملك على صورتهيتهيأ النبي لتلقي الوحي من الملكما ذكره أهل علوم القرآن
الرؤيا بلا واسطةفي المنام من الله مباشرةحديث معاذ «أتاني ربي»
الرؤيا بواسطة الملكملائكة تأتيه وهو نائمحديث جابر في البخاري
رؤية جبريل على خلقتهله ستمائة جناح، وكان ذلك مرتينحديث عائشة في مسلم
الوحي على لسان إسرافيلفي أول النبوة ثلاث سنينمرسل الشعبي
التكليم يقظة بلا واسطةليلة المعراجحديث المعراج
النفث في الروعإلقاء في القلبحديث أبي أمامة

أسئلة شائعة

ما أشد صور الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم؟

أشدها ما كان مثل صلصلة الجرس، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وهو أشده عليّ».

هل نزل شيء من القرآن في المنام؟

لا، القرآن كله نزل يقظة، وما ورد في نزول سورة الكوثر بعد إغفاءة محمول على حال الوحي لا على النوم.

هل نزل غير جبريل بالقرآن؟

لا، القرآن كله نزل به جبريل عليه السلام، وقد ينزل غيره من الملائكة بغير القرآن.