
معرفة فضل العلم هي بيت القصيد؛ فلو عرف المرء ما للعلم من فضل لسابق إليه، ونشطت نفسه للتعلم والطلب. ووسيلة العلم القراءة، ومحلّها الكتاب، وكلما ازداد القلب يقينًا بفضل العلم ازداد حبًّا للقراءة، وعلى قدر جهله بالأول يكون زهده في الثاني. وفي هذه المحاضرة طرف من فضل طلب العلم في القرآن والسنة وكلام السلف، ثم بيان أسباب حرمانه.

«اقرأ»: أول كلمة نزلت من الوحي
أول كلمة نزلت من القرآن إلى الأرض هي كلمة ﴿اقْرَأْ﴾. والقرآن يزيد على سبعة وسبعين ألف كلمة، وفيه مئات الأوامر: بالصلاة والزكاة والصبر والإنفاق والتوبة، ومع ذلك اختار الله أن يكون أول أمر ينزل هو الأمر بالقراءة. وهل يُعقل أن يُفتتح الوحي بكلمة تتحدث عن هواية يحبها بعض الناس ويملّها آخرون؟!
ولم يقف الأمر عند الكلمة الأولى، بل إن الآيات الخمس الأولى كلها تدور حول القراءة والعلم، وتكرر فيها الأمر بالقراءة مرتين، وذُكر فيها القلم:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1–5]
وقد نبّه بعض الدعاة المعاصرين إلى أن ذكر القلم هنا يقطع كل احتمال؛ فالمقصود قراءة المكتوب، والقراءة وسيلة لا غاية: نقرأ لنتعلم.
قال أبو هلال العسكري رحمه الله: «فإذا كنتَ -أيها الأخ- ترغب في سموّ القدر، ونباهة الذكر، وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزًّا لا تثلمه الليالي والأيام، ولا تتحيّفه الدهور والأعوام، وهيبةً بغير سلطان، وغنًى بلا مال، ومنعةً بغير سلاح، وعلاءً من غير عشيرة، وأعوانًا بغير أجر، وجندًا بلا ديوان وفرض، فعليك بالعلم؛ فاطلبه في مظانّه تأتك المنافع عفوًا، وتلقَ ما يُعتمد منها صفوًا، واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوق حلاوة الكرامة مدة عمرك، وتمتع بلذة الشرف فيه بقية أيامك، واستبقِ لنفسك الذكر به بعد وفاتك».
الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه (ص 43)
فضل العلم في القرآن الكريم
تكاثرت الأدلة من الكتاب على فضل العلم وأهله، ومن ذلك:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]
فقرن سبحانه شهادة أولي العلم بشهادته لنفسه بالوحدانية وبشهادة ملائكته، وكفى بذلك شرفًا.
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]
ولم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]
حياة القلب على قدر علمه
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: «كل عضو خُلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب؛ فمرض اليد تعذّر البطش، ومرض العين تعذّر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خُلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة. فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله عز وجل كان كأنه لم يعرف شيئًا».
مختصر منهاج القاصدين
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين» أن الجاهل ميت القلب والروح وإن كان حيّ البدن، واستدل بقوله تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 70]
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22]
فشبّه المعرضين عن الهدى بأهل القبور؛ فكما لا يسمع أصحاب القبور لا يسمع هؤلاء، والقلوب التي لا تحسّ بالعلم والإيمان ولا تتحرك له ميتة على الحقيقة.
وذكر الإمام أحمد في «الزهد» من كلام لقمان أنه قال لابنه: «يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل القطر».
مدارج السالكين (3/ 262)
وقال بعضهم:
فضل العلم في السنة النبوية
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
رواه البخاري (5027)
وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
متفق عليه
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
متفق عليه
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
رواه أبو داود (3641) والترمذي (2682) وابن ماجه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
رواه مسلم (1631)
من أقوال الصحابة والسلف
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «كفى بالعلم شرفًا أن يدّعيه من لا يُحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يتبرأ منه من هو فيه».
- وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «تذاكر العلم بعض ليلة أحبّ إليّ من إحيائها».
- وقال أبو قلابة: «مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء؛ من تركها ضلّ، ومن غابت عنه تحيّر».
- وقال الزهري: «ما عُبد الله بمثل العلم».
- وقال سفيان الثوري: «ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحّت النية».
- وقال الشافعي: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة».
- وقال الفضيل بن عياض: «عالمٌ عاملٌ معلِّمٌ يُدعى كبيرًا في ملكوت السماوات».
- وقال الأحنف بن قيس: «كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، وكل عزّ لم يُوطَّد بعلم فإلى ذلّ ما يصير».
- وقال الجنيد: من فضيلة العلم على المال أن الله فهّم سليمان مسألة فمنّ عليه بها فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، وأعطاه الملك فلم يمنّ عليه به، بل قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
- وقال رجل للحسن البصري: إني أجتهد أن أقوم الليل فلا أقدر، وأن أتصدق فلا أقدر. فقال: «عليك بمجالسة العلماء؛ فإن صدأ القلوب لا يصقله إلا العلم».
- وقيل لبعض الحكماء: أيّ الأشياء تُقتنى؟ قال: «الأشياء التي إذا غرقت سفينتك سبحت معك» يعني العلم.
العلم لا يُنال بالتمني
العلم رفيع المقام، بعيد المرام، لا يُرى في المنام، ولا يُورث عن الآباء والأعمام، وإنما هو شجرة تُغرس في النفس، وتُسقى بالدرس، ويحتاج طالبه إلى زيادة تعب وإدامة سهر. أفيظنّ من يقطع نهاره في جمع الدنيا، وليله في شهواتها، أن يخرج بذلك فقيهًا؟ هيهات!
قال السيوطي رحمه الله عن علم الفقه: «إن هذا الفن لا يُدرك بالتمني، ولا يُنال بسوف ولعلّ ولو أني، ولا يبلغه إلا من كشف عن ساعد الجدّ وشمّر، واعتزل أهله وشدّ المئزر، وخاض البحار وخالط العَجاج، ولازم الترداد إلى الأبواب في الليل الداج، يدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلًا، وينصب نفسه للتأليف والتحرير بياتًا ومقيلًا، ليس له همّة إلا معضلة يحلّها».
الأشباه والنظائر
والعَجاج: الغبار، كناية عن كثرة الأسفار في طلب العلم. وانظر: أثر التزكية والأدب في شخصية طالب العلم.
أسباب حرمان العلم
ذكر السفاريني في «غذاء الألباب» أن حرمان العلم يكون من ستة أوجه:
- ترك السؤال.
- سوء الإنصات وعدم إلقاء السمع.
- سوء الفهم.
- عدم الحفظ.
- عدم نشره وتعليمه؛ فمن خزن علمه ولم ينشره ابتلاه الله بنسيانه جزاءً وفاقًا.
- عدم العمل به؛ فإن العمل به يوجب تذكّره وتدبّره ومراعاته، فإذا أُهمل العمل به نُسي.
قال بعض السلف: «كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به». وقال بعضهم: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». وانظر: وجوب العمل بالعلم.
المعصية رأس أسباب الحرمان
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282]
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13]
فجعل نسيان العلم وترك العمل به عقوبةً لهم على نقضهم عهده.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه للخطيئة يعملها».
رواه الدارمي (388) وأبو نعيم في الحلية (1/ 131)
كتب للاستزادة
من الكتب التي عُنيت بفضل العلم وآداب طلبه:
- «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر.
- «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» و«الرحلة في طلب الحديث» للخطيب البغدادي.
- «أخلاق العلماء» للآجري.
- «الحث على طلب العلم» لأبي هلال العسكري.
- «تذكرة السامع والمتكلم» لابن جماعة.
- «مفتاح دار السعادة» لابن القيم، وفيه فصل طويل في فضل العلم وشرفه.
- «فضل علم السلف على علم الخلف» لابن رجب.
- «أدب الطلب» للشوكاني.
- «حلية طالب العلم» لبكر أبو زيد، وشرحها لابن عثيمين.
- «صفحات من صبر العلماء» و«قيمة الزمن عند العلماء» لعبد الفتاح أبو غدة.
الخلاصة
- أول ما نزل من القرآن أمرٌ بالقراءة، وفي ذلك أعظم دلالة على منزلة العلم.
- قرن الله شهادة العلماء بشهادته، ورفعهم درجات، ولم يأمر نبيه بطلب الزيادة إلا من العلم.
- حياة القلب بالعلم والإيمان، والجاهل ميت القلب وإن كان حيّ البدن.
- العلماء ورثة الأنبياء، وطريق العلم طريق إلى الجنة.
- العلم لا يُنال بالتمني، بل بالجدّ والصبر وملازمة الطلب.
- يُحرم العلم بترك السؤال، وسوء الإنصات والفهم، وترك الحفظ والنشر والعمل، وبالمعاصي.


