
هذه عودة إلى الوراء نقتبس فيها نفحة من أزمنة العزة في تاريخ هذه الأمة؛ تلك الأجيال التي كانت توقن بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. نقف مع القرن الأول ونسأل: ما الذي رفعهم؟ وبأي منهج تمسّكوا حتى صاروا قادة الأمم بعد أن كانوا رعاة الغنم؟ إنها أسباب العزة التي لا نهضة للأمة إلا بالعودة إليها.

قاعدة الباب: العزة بالإسلام لا بغيره
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، فعرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره وخلع خفّيه وخاض الماء. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض! فقال عمر كلمته التي تختصر هذه الخطبة كلها:
إنا كنا أذلَّ قوم فأعزّنا الله بالإسلام؛ فمهما نطلب العزة بغير ما أعزّنا الله به أذلّنا الله.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه — رواه الحاكم في المستدرك (1/130) وصححه
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]
أولًا: توحيد مصدر التلقّي
جعل الصحابة رضوان الله عليهم القرآن والسنة النبع الذي يستقون منه عقيدتهم وشريعتهم وقيمهم؛ فخلصت نفوسهم لله، واستقام عودهم على منهجه.
أتى عمر رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب وقال:
«أمتهوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية… والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتّبعني».
رواه أحمد (15156) من حديث جابر رضي الله عنه، وحسّنه الألباني
والتهوُّك: التحيّر. وقال صلى الله عليه وسلم: «تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي» (رواه الحاكم وصححه الألباني).
ليس المراد رفض العلوم النافعة والخبرات الدنيوية عند الأمم؛ فقد حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق بمشورة سلمان الفارسي. إنما المراد أن يكون الوحي وحده مصدر العقيدة والتشريع والقيم وميزان القبول والرد.
ثانيًا: التلقّي للعمل لا للثقافة
لم يكن الواحد منهم يقرأ القرآن ليستكثر من المعلومات، بل ليتلقى أمر الله في خاصة نفسه ومجتمعه فيعمل به فور سماعه. قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: «حدّثنا الذين كانوا يُقرئوننا أنهم كانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل» (رواه أحمد (23482)). وللمزيد: وجوب العمل بالعلم.
شعارهم: «سمعنا وأطعنا»
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51]
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]
استسلموا لحكم الله بلا تردد، وبلا حرج في النفس: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. كان سؤالهم: بِمَ أمر ربنا؟ قبل: لِمَ أمر ربنا؟ ولا حرج في طلب الحكمة ليزداد القلب طمأنينة، وإنما المذموم أن يُعلَّق الامتثال على معرفتها.
نماذج من سرعة الاستجابة
- تحويل القبلة: صلّى رجل مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، ثم مرّ على قوم يصلّون إلى بيت المقدس وهم ركوع، فأخبرهم، فانحرفوا وهم في صلاتهم كما هم نحو الكعبة (متفق عليه).
- تحريم الخمر: ما إن نادى المنادي: «ألا إن الخمر قد حُرّمت» حتى أُريقت فجرت في سكك المدينة (متفق عليه)، ولم يقل أحد: حتى نفرغ مما في أيدينا.
- أبو طلحة وبَيرُحاء: لما نزل ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] قام فقال: يا رسول الله، إن أحبّ أموالي إليّ بَيرُحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله. فقال صلى الله عليه وسلم: «بخٍ! ذلك مال رابح» (متفق عليه).
- أبو طلحة شيخًا: قرأ في آخر عمره ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] فقال لبنيه: جهّزوني؛ ما أرى ربنا إلا استنفرنا شيوخًا وشبّانًا. فغزا في البحر فمات فيه (رواه ابن حبان والحاكم).
أبو بكر الصديق: الاتباع في أحلك الظروف
لستُ تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملتُ به؛ فإني أخشى إن تركتُ شيئًا من أمره أن أزيغ.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه — متفق عليه: البخاري (3093) ومسلم (1759)
ولما أشار عليه بعض الصحابة — والعرب قد ارتدّت والمدينة مهدَّدة — أن يؤخّر جيش أسامة الذي عقد لواءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننتُ أن السباع تخطّفني لأنفذتُ بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته.
تاريخ الطبري (3/225)
ولما قيل له في مانعي الزكاة: كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله؟ قال: «والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة» (متفق عليه). فحفظ الله به الدين.
الإمام أحمد: الاتباع في الرخاء والشدة
اختفى الإمام أحمد أيام المحنة عند إسحاق بن هانئ ثلاثة أيام، ثم قال: اطلب لي موضعًا حتى أتحوّل إليه. فقال: لا آمن عليك! فلما تحوّل قال:
اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحوّل؛ وليس ينبغي أن يُتّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخاء ويُترك في الشدة.
مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 473)
ثالثًا: الاعتزاز بهذا الدين
عمر يوم أسلم
لما أسلم عمر رضي الله عنه أعلن إسلامه في نوادي قريش، فثاروا إليه، فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى أعيا، فقعد وهم على رأسه وهو يقول: «افعلوا ما بدا لكم؛ فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمئة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا» (رواه ابن إسحاق في السيرة، وابن حبان).
ثُمامة بن أُثال
سيّد اليمامة؛ أسلم ثم قدم مكة معتمرًا، فقالت له قريش: أصبوتَ؟ فقال:
لا، ولكني أسلمتُ مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
متفق عليه: البخاري (4372) ومسلم (1764)
وفي السيرة أنه نفّذ ما قال، حتى كتبت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله بالرحم؛ فكتب إلى ثمامة أن يخلّي بينهم وبين الميرة، فامتثل. فانظر إلى عزة المؤمن، ثم إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بمن آذوه وحاصروه.
أبو أيوب الأنصاري عند أسوار القسطنطينية
خرج أبو أيوب رضي الله عنه — وهو شيخ كبير — في الجيش الذي غزا القسطنطينية زمن معاوية رضي الله عنه، وهو الجيش الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» (رواه البخاري (2924)). فمرض، وأوصى أن يُحمل إذا مات فيُدفن في أقصى ما يبلغه الجيش من أرض العدو؛ فدُفن عند سور القسطنطينية. أبى أن يموت إلا مقبلًا.
المنصور الموحّدي ومعركة الأَرَك
في أواخر القرن السادس كتب ملك قشتالة إلى السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور كتابًا يتهدّده ويستخفّ به. فمزّق المنصور الكتاب وكتب على ظهر قطعة منه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: 37]، «الجواب ما ترى لا ما تسمع» (ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء). ثم عبر إلى الأندلس، فكانت وقعة الأَرَك سنة 591هـ، ونصر الله المسلمين نصرًا عظيمًا.
رابعًا: التمسك بالعقيدة وصدق التوكل
نحن أمة عقيدة؛ متى تمسّكت بها ثبتت عند الشدائد وهابها عدوّها.
يقين هاجر
ترك إبراهيم عليه السلام زوجه وابنه الرضيع بوادٍ غير ذي زرع، ثم ولّى. فتبعته هاجر تقول: إلى من تتركنا؟ ثم قالت: آللهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا (رواه البخاري (3364)). فكانت زمزم، وكانت مكة، وكان السعي بين الصفا والمروة شعيرة إلى يوم القيامة.
عُمير بن أبي وقاص
أخو سعد. خرج إلى بدر وهو فتى، وجعل يتوارى حتى لا يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردّه لصغره. فلما عُرض عليه استصغره وقال: «ارجع»، فبكى عُمير، فأجازه. قال سعد: «فكنتُ أعقد له حمائل سيفه من صغره»، فقُتل ببدر شهيدًا وهو ابن ست عشرة سنة (الطبقات الكبرى لابن سعد 3/150). فتى في سنّ أبنائنا، لكنه كبير بإيمانه.
مدد السماء
من ارتبط بالله أمدّه الله بما لا يحتسب. في يوم بدر:
بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدِم حَيزوم! فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقيًا… فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «صدقتَ؛ ذلك من مدد السماء الثالثة».
رواه مسلم (1763) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» أن سعد بن أبي وقاص وجنده اقتحموا نهر دجلة بخيولهم يوم المدائن فعبروه، فدخل الرعب قلوب الفرس وولّوا. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 126].
خامسًا: معرفة محاسن هذا الدين
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42]
وقد تسمّى الله بـ«العزيز» في مواضع كثيرة جدًّا من كتابه؛ فهو عزيز في ذاته وأسمائه وصفاته وملكه وشرعه. ومن عرف محاسن الشريعة — عدلها ورحمتها وحكمتها — امتلأ قلبه اعتزازًا بها، ولم يستحِ من حكم من أحكامها. ولا يكون ذلك إلا بالتفقه في الدين. وانظر: فضل طلب العلم.
سادسًا: معرفة حال الجاهلية
من عرف الظلمة عرف قدر النور. وأبلغ من وصف النقلة من الجاهلية إلى الإسلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي:
أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه؛ فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده… وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء.
رواه أحمد (1740) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وحسّنه الألباني
وكل حضارة تقطع صلتها بالوحي تعود إليها صور من تلك الجاهلية مهما بلغت من التقدم المادي: حيرة في الغاية، وتفكك في الأسرة، وطغيان القوي على الضعيف. ولا تزال في هذه الأمة بقية خير: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (رواه مسلم (1920)).
سابعًا: معرفة شمول هذا الدين
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]
قال أبو ذر رضي الله عنه: «تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلّب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكّرنا منه علمًا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما بقي شيء يقرّب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم» (رواه الطبراني (1647) وصححه الألباني).
وقيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه على وجه السخرية: قد علّمكم نبيكم كل شيء حتى الخِراءة! فقال معتزًّا: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين…» (رواه مسلم (262)). لم يخجل، بل جعل موضع السخرية موضع الفخر.
ثامنًا: تربية النشء على العزة
عزة المسلم تنبع من إيمانه لا مما يملك؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أُهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حُلّة ذي يزن — ملك من ملوك اليمن — فلبسها ثم كساها أسامة بن زيد. فرآها عليه حكيم بن حزام فقال: يا أسامة، أنت تلبس حلة ذي يزن؟! فقال أسامة: «نعم؛ والله لأنا خيرٌ من ذي يزن، ولأبي خيرٌ من أبيه» (رواه الحاكم). شابّ صغير، أبوه مولى، يرى نفسه — بالإسلام — أكرم من ملك.
فعلى الآباء والمربّين أن يغرسوا في أبنائهم هذا المعنى: أن قيمتك في دينك وخُلقك، لا في ثيابك ولا في تقليدك لغيرك. قال المتنبي:
وانظر: عقوق الآباء للأبناء: مظاهر التفريط في تربية الأولاد.
تاسعًا: الاستعلاء على زينة الدنيا
اختيار أمهات المؤمنين
لما نزلت آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا…﴾ [الأحزاب: 28-29] بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وقال: «لا عليكِ ألا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ». فقالت: «أفي هذا أستأمر أبويّ؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة»، ثم فعل أزواجه مثل ذلك (متفق عليه).
رِبعيّ بن عامر في مجلس رستم
ذكر ابن كثير في أخبار القادسية (البداية والنهاية 7/46) أن سعد بن أبي وقاص بعث رِبعيّ بن عامر إلى رستم قائد الفرس، وقد زيّنوا مجلسه بالنمارق المذهّبة والحرير واليواقيت. فدخل رِبعيّ بثياب خشنة وفرس قصيرة، لم تبهره الزينة ولم تكسر نفسه. فلما سألوه: ما جاء بكم؟ قال:
الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
رِبعيّ بن عامر — البداية والنهاية لابن كثير (7/46)
فقال رستم لقومه: هل رأيتم قط أعزّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فعابوا ثيابه، فقال: «ويلكم! لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة».
هذه الأخبار من مرويات أهل التاريخ والسِّيَر، وتُذكر للعبرة والاستئناس؛ والمعوّل في أصل الباب على نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.
العزة ليست كِبرًا ولا ظلمًا
حتى لا يُفهم الكلام على غير وجهه: عزة المؤمن ليست تعاليًا على الخلق ولا بغيًا عليهم.
- هي مع المؤمنين تواضع ولين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54].
- وهي مع المخالف عدل وإنصاف: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
- وهي ثبات على الحق لا يتزحزح لرغبة ولا رهبة، مع حسن الخُلق وأداء الحقوق.
وتفصيل ضوابط التعامل مع غير المسلمين في: عقيدة الولاء والبراء. ومن أخبار أهل الهمم: هؤلاء عاشوا لأداء رسالة عظيمة.
الخلاصة
- العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ومن طلبها بغير الإسلام أذلّه الله.
- صنعت عزةَ الجيل الأول تسعةُ أسباب: توحيد مصدر التلقي، والتلقي للعمل، والاعتزاز بالدين، والتمسك بالعقيدة، ومعرفة محاسن الدين، ومعرفة حال الجاهلية، ومعرفة شمول الدين، وتربية النشء على العزة، والاستعلاء على زينة الدنيا.
- شعارهم: «سمعنا وأطعنا»، وميزانهم: «بِمَ أمر ربنا؟».
- العزة ثبات على الحق مع عدل ورحمة، وليست كبرًا ولا ظلمًا.
- طريق استعادة العزة يبدأ من الفرد: علمٌ بالدين، وعملٌ به، واعتزازٌ بالانتساب إليه.


