
من أروع ما يكون أن تعيش خادمًا لهذا الدين، وجنديًّا من جنوده؛ فمن عاش لنفسه عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لدين الله عاش كبيرًا ومات كريمًا، وتناقلت سيرته الأجيال. وهذه نماذج من رجال ونساء عاشوا لأداء رسالة عظيمة.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما زغت
قال عند وفاته: «والله ما نمت فحلمت، ولا توهّمت فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زغت».
خالد بن الوليد رضي الله عنه: فلا نامت أعين الجبناء
شهد سيف الله المسلول نحو مئة معركة بعد إسلامه، ويُروى أنه قال على فراش الموت:
«لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء».
أبو فهر محمود شاكر: جهاد القلم

يقول شيخ العربية أبو فهر محمود محمد شاكر رحمه الله:
«إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدع بالحق جهارًا في غير جمجمة ولا إدهان، ولو عرفتُ أني أعجز عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفتُ به إلى حيث يذلّ العزيز ويُمتهن الكريم… وأنا جنديّ من جنود هذه العربية، لو عرفتُ أني سوف أحمل سيفًا أو سلاحًا أمضى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نذرتُ على هذا القلم ألا يكفّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعت أن أحمله بين أناملي، وما أُتيح لي أن أجد مكانًا أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرّر بهم، أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة».
مجلة الرسالة، العدد 756، ديسمبر 1947
وقال: «ولهذه الفصول غرض واحد… هو الدفاع عن أمة برُمّتها، هي أمتي العربية الإسلامية… فصار حقًّا عليّ واجبًا ألا أتلجلج أو أُحجم أو أُجمجم أو أُداري، ما دمت قد نصبت نفسي للدفاع عن أمتي ما استطعت إلى ذلك سبيلًا».
أباطيل وأسمار (ص: 10)
فالقلم سلاح من أمضى الأسلحة، وجهاد الكلمة الصادقة من أعظم الجهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» رواه أبو داود والنسائي.
أنور الجندي: محامٍ في قضية الحكم بكتاب الله
يقول المفكر الأديب أنور الجندي (1917–2002م): «أنا محامٍ في قضية الحكم بكتاب الله، ما زلت موكَّلًا فيها منذ بضع وأربعين سنة… أُعدّ لها الدفوع، وأقدّم المذكرات، بتكليف بعقد وبيعة إلى الحق تبارك وتعالى، وعهد على بيع النفس لله، والجنة -سلعة الله الغالية- هي الثمن لهذا التكليف: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾».
ولله درّ القائل:
محمد إقبال: شاعر الهمم
يقول محمد إقبال وهو يرسم رسالته في الحياة: «أسير عن الوطن الجميل، تجذبني لذة شراب المعرفة، إني شجرة برية ترمق سحاب الجود، لم يحوجني الله إلى بستاني، منيتي أن أكون خادم خلق الله ما حييت».
ويقول مخاطبًا كل مسلم: «اقرأ مرة أخرى في سيرتك الأولى، اقرأ دروس الصدق والعدل والشجاعة؛ لأنك أنت المنشود لتسود العالم مرة ثانية، أنت تملك العالم بالأخوّة، وتحكمه بالمحبة. ما الذي محا استبداد قيصر وشدة كسرى؟! أكانت هناك قوة في العالم تحارب الجبابرة سوى قوة علي، وفقر أبي ذر، وصدق سلمان رضي الله عنهم؟!».
عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ): العيش مع القرآن
تقول: «ومنذ سنين وأنا أقوم بهذه المحاولة في دراسة النص القرآني لغة وبيانًا… وعلى كثرة ما اشتغلت به من روائع النصوص الأخرى، فإني لا أستطيع بحال أن أعبّر عما كان يبهرني من جلال هذه المحاولة، وما راضتني به عقلًا وذوقًا ووجدانًا، إلى الحد الذي جعلني أتساءل في ارتياب: هل كنت قبلها قد صحّ لي فقه لغتي العربية وإدراك أسرار بيانها؟».
التفسير البياني للقرآن الكريم (ص: 14)
دروس من هذه النماذج
- اجعل لحياتك رسالة؛ فمن لا رسالة له يعيش على هامش الحياة.
- لكل إنسان ثغرة يسدّها: السيف، أو القلم، أو التعليم، أو الدعوة، أو البذل.
- الكلمة الصادقة جهاد، والقلم أمانة يُسأل عنها صاحبها.
- إياك أن تموت فيُطوى معك تاريخك، ويوضع معك في قبرك، فلا يُنشر منه شيء إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
اللهم أقمنا في صفوف المدافعين عن هذا الدين، واغرس فينا حب الجهاد باللسان والبنان والسنان، واجعلنا ممن قال فيهم القحطاني:
اقرأ أيضًا: أثر التزكية والأدب في شخصية طالب العلم


