
الولاء والبراء أصل من أصول العقيدة، وأوثق عرى الإيمان، وهو مع ذلك من أكثر الأبواب التي يُراد لها اليوم أن تذوب وتُنسى. وهذه الخطبة «دمعة على عقيدة الولاء والبراء»: تذكير بمنزلتها، وبيان لعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وعلاقته بغير المسلم، مع التفريق بين البراءة القلبية وبين العدل والإحسان في المعاملة.
قال أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله، شيخ الحنابلة في زمانه: «إذا أردت أن تعلم محلّ الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة».
الآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 237)
ثم ضرب مثلًا بابن الراوندي الملحد، وكيف عُظّم قبره واشتُريت تصانيفه، وعدّ ذلك دليلًا على برودة الدين في القلوب.
وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إذا نظر إلى نصراني غمّض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: «لا أقدر أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه».
طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 12)

منزلة الولاء والبراء في الإسلام
أيها الناس، لا تثبت قدم الإسلام لعبد حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومعنى «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله.
وقيل لوهب بن منبّه رحمه الله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: «بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح لك».
علّقه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز
ولهذه الكلمة شروط ثمانية، والبراءة من الشرك شرط من شروطها، وقد جمعها بعضهم في قوله:
ودليل هذا الشرط قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]
فقدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله؛ فلا تنفع عبادة عابد إذا لم يتبرأ من الشرك. وتأمل سورة الفاتحة التي يقرؤها المسلم في كل ركعة: بعد أن ذكر الله العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في قوله:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]
وقد عظّم الشرع هذه العقيدة ورفع قدرها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ».
رواه الترمذي (2894)، وصححه الألباني دون أوله
وسورة الكافرون هي سورة البراءة من الشرك وأهله.
وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه بايع النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينصح للمسلم، ويبرأ من الكافر.
رواه أحمد والنسائي
وقال صلى الله عليه وسلم: «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ».
رواه ابن أبي شيبة، وحسّنه الألباني
علاقة المسلم بأخيه المسلم
علاقة المسلم بأخيه المسلم قائمة على الأخوة والنصرة والمحبة:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ».
رواه أبو داود (2751)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
رواه مسلم (2564)
والقاعدة: أن المسلم يُحَبّ على قدر طاعته لله، ويُبغَض ما عنده من المعصية على قدرها، فيجتمع في حقه الحب والبغض، لكنه لا يُبغَض بغض الكافر أبدًا، ولا يخرج من دائرة الأخوة الإيمانية بمعصيته.
موقف الكافرين من المؤمنين كما وصفه القرآن
أما ما تنطوي عليه صدور المعادين لهذا الدين تجاه أهله، فلا ينبئك مثل خبير، قال تعالى:
﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118]
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 105]
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217]
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109]
وتأمل قوله في الآية الأخيرة: «كثير»، ولم يقل: كلهم؛ فالقرآن أعدل الكلام، وقد قال في موضع آخر: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: 113].
موقف المؤمن من الكافر: آية المجادلة
ذكر الله علاقة المؤمن بمن حادّ الله ورسوله في آيات كثيرة، نقتصر منها على آية واحدة جامعة:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]
ما قيل في سبب نزولها
ذكر المفسرون في سبب نزولها أقوالًا، ساقها ابن الجوزي في «زاد المسير»، منها:
- أنها نزلت في جماعة من الصحابة واجهوا أقرب الناس إليهم في بدر وأحد؛ كأبي عبيدة بن الجراح مع أبيه، وأبي بكر حين دعا ابنه إلى المبارزة يوم بدر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «متّعنا بنفسك يا أبا بكر»، ومصعب بن عمير مع أخيه، وعمر مع خاله العاص بن هشام، وعلي وحمزة مع عتبة وشيبة. ويُروى هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه.
- أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع أباه -قبل إسلامه- يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب لذلك غضبًا شديدًا. قاله ابن جريج.
- أنها نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ، وكان من خيار الصحابة، حين سمع من أبيه رأس المنافقين كلامًا قبيحًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذن في قتله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارفق به، وأحسن إليه». قاله السدي.
وهذه الروايات لا تخلو أسانيدها من مقال، لكن معنى الآية ظاهر: أن المودة القلبية لا تجتمع مع الإيمان في حق من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب. وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله في أبيه المنافق: «ارفق به، وأحسن إليه»؛ ففيه أن البراءة شيء، وحسن المعاملة شيء آخر.
البراءة لا تعني الظلم: البر والقسط مع المسالمين
من تمام فهم هذه العقيدة أن يُعلم أن البراءة من الكفر وأهله محلّها القلب والدين، وأنها لا تبيح ظلمًا ولا غدرًا ولا سوء خلق، فقد قال الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».
رواه البخاري (3166)
فالمسلم يبرّ جاره غير المسلم، ويعدل معه، ويبيع ويشتري، ويعود مريضهم ويدعوهم إلى الله بالحسنى، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي. وكل ذلك لا ينافي البراءة من دينهم، وعدم مشاركتهم في شعائرهم، وعدم مودتهم المودة التي تكون لأهل الإيمان. وقد بُسط هذا الفرق في مقال: هل يجوز الفرح بموت الكافر؟ وما ضوابط ذلك؟.
قضايا يُراد لها أن تذوب
هل اليهود والنصارى كفار؟
سؤال قد يتعجب منه أطفال المسلمين الذين يحفظون الفاتحة ويقرؤون فيها: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ويحفظون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قبل غيرها من السور. وكنت أتعجب: لماذا يحفظ أطفالنا سورة الإخلاص قبل المعوذتين؟ ثم عرفت أن من حكمة ذلك أن ترسخ عقيدة التوحيد في قلوبهم قبل أن يأتي زمان يُقال فيه: إن من جعل لله ولدًا ليس بكافر!
ولن أقرأ عليكم إلا من كتاب الله:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73]
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68]
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
رواه مسلم (153)
فالحكم بكفر من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم حكم شرعي قطعي، لا يملك أحد تغييره، وهو لا يتعارض مع العدل معهم وحفظ حقوقهم كما تقدم.
دعوات التقريب وتمييع الفوارق العقدية
ومن القضايا التي يُراد لها أن تذوب: الفوارق العقدية بين أهل السنة وغيرهم من الفرق، بدعوى التقريب مع بقاء أصول الخلاف على حالها؛ كسبّ الصحابة والغلو في الأئمة. والتقارب الحق لا يكون إلا على الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. وكذلك الدعوات التي تريد تنحية الدين عن حياة المسلمين، وتضييع هوية بلادهم. ولكل واحدة من هاتين القضيتين بحث مستقل.
أسئلة شائعة
هل الولاء والبراء يمنع التعامل مع غير المسلمين؟
لا؛ فالبيع والشراء والجوار والعدل والإحسان إلى المسالمين كل ذلك مشروع، والممنوع هو المودة القلبية لدينهم، ومناصرتهم على المسلمين، ومشاركتهم في شعائرهم.
ما الفرق بين الموالاة والمعاملة بالحسنى؟
الموالاة محبة ونصرة على الدين، وهي لا تكون إلا للمؤمنين. والمعاملة بالحسنى برٌّ وقسط أذن الله فيه مع من لم يقاتلنا في الدين، كما في آية الممتحنة.
هل يُبغَض المسلم العاصي كما يُبغَض الكافر؟
لا؛ المسلم العاصي يُحَبّ لإيمانه، ويُكرَه ما عنده من المعصية، ويُنصح له، ولا يخرج من أخوة الإسلام.
الخلاصة
- الولاء والبراء من لوازم «لا إله إلا الله»، وهو أوثق عرى الإيمان.
- الولاء للمؤمنين: محبة ونصرة وأخوة، على قدر طاعتهم لله.
- البراء من الكفر وأهله: براءة قلبية من دينهم، وعدم مودتهم مودة أهل الإيمان.
- البراءة لا تبيح ظلمًا ولا غدرًا، والبر والقسط مع المسالمين مشروع بنص القرآن.
- كفر من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ثابت بالكتاب والسنة، ولا يتعارض ذلك مع العدل معهم.


