جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة9 أبريل 2020
هل يجوز الفرح بموت الكافر؟ وما ضوابط ذلك في الشريعة الإسلامية — إسماعيل العضامي

هل يجوز الفرح بموت الكافر؟ مسألة مهمة جدًّا تمسّ العقيدة، يخطئ فيها بعض الناس، وإنما كان سبب خطئهم أخذَ بعض مسائل العقيدة بالعاطفة، وربما أحيانًا بسبب تلك اللوثة التي أصابت بعض الدعاة من تمييع مسائل الدين، والتخلي عن كثير من مظاهر العزة في هذا الدين بدعوى المسامحة والرحمة والرفق.

وهذا كله مطلوب، لكن بضوابطه الشرعية التي بيّنتها سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وهديه، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فكان أرحم الناس بالناس.

والجواب في هذه المسألة يتلخص في النقاط الآتية:

أولًا: الولاء والرحمة للمؤمنين، والبراءة من الكافرين

ينبغي للمسلم أن يكون ولاؤه وحبه وشفقته ورحمته موافقةً لمراد الله ورسوله، ومصروفةً للمؤمنين، وأن يكون براؤه وبغضه للكفار والملاحدة والمشركين.

وهذه في الحقيقة من أعلى خصال الإيمان، قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54]

وقال تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]

فينبغي للمسلم أن تكتمل عداوته وبغضاؤه للكافر، فلا تأخذه به شفقة ولا رحمة، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]

وأما إذا كان في قلب المسلم رحمةٌ على الكافرين، ورأفةٌ بهم وبما ينزل بهم من العذاب والهلاك، فهذا من ضعف الإيمان في قلبه، وربما ـ عياذًا بالله ـ يكون دليلًا على وجود مرض النفاق في قلبه، قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: 52]، يعني: سترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون في إرضاء اليهود والنصارى وحبهم ومظاهرتهم ومودتهم، والعطف عليهم والرحمة بهم!

وإذا كان الله عز وجل قد أمرنا ـ نحن المسلمين ـ أن نقيم الحدود على بعض عصاة المسلمين، ثم أمرنا ألا نرحمهم وألا نعطف عليهم، وعلّق ذلك على كمال الإيمان في قلوبنا، فقال في الزانية والزاني:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]

فإذا كان هذا في شأن مسلم وقع في معصية، فما ظنك بالكافر الذي لا يدين لله بدين؟!

ثانيًا: سبب حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت اليهودي

إن حزن النبي صلى الله عليه وسلم وبكاءه على موت يهودي لم يكن لمحبته ولا لمودته، وإنما حزن لأن نفسًا تفلّتت من يده إلى النار! وهذا ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه.

ثالثًا: الفرق بين الإحسان في المعاملة والمحبة القلبية

كثير من الناس لا يفرق بين الإحسان والبر في المعاملة، وبين المحبة القلبية المستلزمة للولاء والنصرة والرحمة والشفقة.

وهناك فرق شاسع بين الإحسان والبر في المعاملة وبين المحبة القلبية؛ فقد يحسن الإنسان إلى من يكرهه، وقد يحسن إلى من لا يحبه.

وسأضرب لك مثلًا: المرأة البغيّ من بني إسرائيل التي وجدت كلبًا عطشان، فنزلت البئر فملأت خفها وسقته!

هذا يسمى إحسانًا، ويسمى برًّا، ويسمى قسطًا، وكلها معانٍ صحيحة، لكنه لا يسمى محبة، ولا ولاءً، ولا نصرة؛ فالمرأة سقت الكلب إحسانًا إليه، لا حبًّا فيه!

رابعًا: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار المحاربين

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على من حاربه من الكفار، وعلى من اشتدت عداوته للمسلمين، وعلى من قتل المسلمين وآذاهم، أو سكت عن نصرتهم:

  • فدعا على رِعْلٍ وذَكْوان حين قتلوا سبعين من أصحابه (تذكّر: سبعين فقط).
  • ودعا على قريش بالقحط والسنين، حتى أكلوا خبط الشجر والجِعلان في الأرض.
  • ودعا على اليهود حين خانوه ونقضوا عهده يوم الأحزاب.
  • ودعا عمر رضي الله عنه على نصارى الشام حين حاربهم.
  • وكذلك دعا علي رضي الله عنه على نصارى الشام أيضًا حين حاربهم.

وكان يحيى بن سعيد القطان يقول بوجوب القنوت في الصلاة إذا ذهبت الجيوش لحرب النصارى واليهود.

فبالله عليك، أخبرني: كيف يدعو عليهم بالهلاك، ثم إذا استجاب الله دعاءه ندم ولم يشمت فيهم، ورحمهم، وأرسل إليهم المساعدات، وأرسل لهم برقيات العزاء والمواساة؟! هل هذا يُعقل؟ وهل يقوله إنسان عاقل؟

ثم أخبرني: لماذا كنت تبكي وتنوح وأنت ترى الهنود يقتلون المسلمين؟ ولماذا كنت تبكي وتصرخ حين ترى الصين الشيوعية تقتل المسلمين وتفتك بهم في تركستان الشرقية وغيرها؟

ثم أخبرني: ما هذا الحنان الزائف؟ وما هذه الرحمة المصطنعة على من كفر بالله وبرسوله، وحارب دين الله تعالى؟!

خامسًا: الدعاء بالهداية للكافر المسالم

ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء على من سالمه من الكافرين؛ فلم يكن يدعو عليهم، بل كان يدعو لهم بالهداية، كما دعا لدَوْسٍ أن يهديهم الله تعالى، وكما دعا لأم أبي هريرة رضي الله عنه، وغير ذلك.

وإنما كان من سنته أن يدعو على من آذاه من الكافرين، كما أسلفت.

سادسًا: حكم الفرح والشماتة بموت الكافر

هل يجوز الفرح والشماتة بالكافر إذا أخذه الله تعالى؟

الجواب: نعم، إذا كان محاربًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن اشتدت عداوته للمسلمين.

أما إذا كان مسالمًا للمسلمين، فلم يؤذهم ولم يعاون عليهم، فإنه لا يجوز إظهار الشماتة بموته، وفي الوقت ذاته لا يجوز الحزن على موته؛ لأن الله عز وجل له الحكمة البالغة في هلاك الكافرين والظالمين، وهذا ما سأبيّنه في النقطة التالية.

وأما الفرح بموت الكافر إذا كان ظالمًا باغيًا على المسلمين فأمرٌ واضح؛ فقد نقلت كتب التاريخ سجود الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز شكرًا لله بعد موت الحجاج بن يوسف، ولما أُخبر إبراهيم النخعي بموته بكى من الفرح، ولما بلغ الخبرُ الإمامَ طاووسًا فرح وتلا قول الله سبحانه وتعالى:

﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45]

فإذا كان هذا في موت مسلم ظالم، فما ظنك بموت الكافر الظالم المحارب لله ولرسوله وللمؤمنين! قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: 88]

سابعًا: حكمة الله البالغة في إهلاك الكافرين

ينبغي للمسلم أن يرى في حكم الله تعالى وانتقامه من أعدائه الحكمةَ البالغة.

فلا شك أن الله يُمهل الكافر حتى إذا أخذه لم يُفلته، قال تعالى:

﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 183]

وقال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]

وقال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ۝ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ۝ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 42–45]

فالله عز وجل بيّن في هذه الآيات وغيرها بعضًا من الحِكَم التي من أجلها عذّب الكافرين، وأنزل عليهم عقوباته في الدنيا، مع ما ادّخر لهم في الآخرة من النكال والعذاب.

الخلاصة

  • الولاء والمحبة والرحمة تكون للمؤمنين، والبراءة والبغض تكون للكافرين، وهذا من أعلى خصال الإيمان.
  • البر والإحسان في المعاملة لا يستلزم المحبة القلبية ولا الموالاة.
  • يجوز الفرح بموت الكافر المحارب لله ورسوله، المعتدي على المسلمين، وقد فرح السلف بهلاك الظالمين.
  • الكافر المسالم الذي لم يؤذِ المسلمين لا تُظهَر الشماتة بموته، ولا يُحزَن عليه.
  • المؤمن يرى في هلاك الكافرين والظالمين حكمة الله البالغة وعدله.

شاهد الإجابة مرئية