جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة20 أكتوبر 2019
تعريف الكبيرة: خمسة أقوال لأهل العلم في حدّها — إسماعيل العضامي

بعد أن عرفنا في الجزء الأول أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، يأتي السؤال: ما الكبيرة؟ وما حدّها الذي تتميز به عن الصغيرة؟ وفي هذا الجزء نعرض أقوال أهل العلم في تعريفها.

تعريف الكبيرة

الكبيرة في اللغة

الكبيرة لغةً: الإثم، وجمعها كبائر (المصباح المنير 2/ 523).

الكبيرة في الاصطلاح: وجوه الشافعية كما نقلها الرافعي

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:

قال أبو القاسم الرافعي في «الشرح الكبير» في كتاب الشهادات: ثم اختلف الصحابة فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه: أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد. والثاني: أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر. والثالث: قال إمام الحرمين في «الإرشاد» وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة. والرابع: ذكر القاضي أبو سعد الهروي أن الكبيرة: كل فعل نصّ الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حدًّا من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين.

تفسير ابن كثير (2/ 285)

وفيما يلي بسط الأقوال وإيضاحها.

القول الأول: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة

الكبائر: هي ما فيها حدٌّ في الدنيا أو في الآخرة؛ كالزنا والسرقة والقذف التي فيها حدود في الدنيا، وكالذنوب التي فيها حدود في الآخرة وهو الوعيد الخاص، مثل الذنب الذي فيه غضب الله ولعنته أو جهنم ومنع الجنة؛ كالسحر، واليمين الغموس، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وشرب الخمر، ونحو ذلك. هكذا رُوي عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهم من العلماء.

ابن تيمية، مجموع الفتاوى (11/ 658)

ومما ورد عن السلف في هذا المعنى:

  • عن ابن عباس رضي الله عنهما: «الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب»، وفي رواية: «كل ما وعد الله عليه النار كبيرة»، وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري.
  • وعن سعيد بن جبير: «كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو من الكبائر».
  • وعن الضحاك: «الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يُقام به الحد فهو من الكبائر».

انظر: تفسير ابن كثير (2/ 283)، وتفسير الطبري (8/ 247)، والدر المنثور (4/ 359).

ومن عبارات المتأخرين القريبة من هذا القول:

  • قول المناوي: «الكبيرة كل معصية تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، أو كل ما تُوعِّد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة، أو ما فيه حد» (التوقيف على مهمات التعاريف ص 598).
  • وقول الجرجاني: «الكبيرة: ما كان حرامًا محضًا شُرعت عليه عقوبة محضة بنص قاطع في الدنيا والآخرة» (التعريفات ص 235).

الكبائر ومقدماتها عند السدي

قال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار، والسيئات مقدماتها وتبعاتها، ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، ويصدّق ذلك الفرج أو يكذبه».

الثعلبي، الكشف والبيان (3/ 296)

القول الثاني: كل معصية كبيرة

عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ذُكرت الكبائر عنده فقال: افتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة. ثم قال: مصداق ذلك: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.

وقال ابن سيرين: ذُكرت الكبائر عند ابن عباس فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطَّرْفة. يعني: النظرة.

وربما دخل في هذا المعنى قول أنس بن مالك رضي الله عنه:

«إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُوبِقَاتِ».

أخرجه البخاري (6492)، وعند أحمد بلفظ: «من الكبائر»

القول الثالث: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة

سأل رجل ابن عباس: كم الكبائر، سبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.

أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور (4/ 360)

  • قال وكيع: «كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه».
  • وقال المحاربي: «الكبائر ذنوب المستحلّين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم».
  • وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: «الكبائر ذنوب العمد، والسيئات: الخطأ والنسيان والإكراه وحديث النفس، المرفوعة عن هذه الأمة».
  • وقال بعضهم: «الصغائر ما يستحقره العباد، والكبائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته».

مراد المحاربي بـ«المستحلين»: المصرّون على الذنب من غير توبة، وإلا فإن استحلال الذنب المعلوم تحريمه كفر، صغيرًا كان أو كبيرًا.

القول الرابع: مظالم العباد كبائر، وما بين العبد وربه صغائر

قال سفيان الثوري: «الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى؛ لأن الله كريم يغفره». واحتج بحديث: «ينادي منادٍ يوم القيامة من بُطنان العرش: يا أمة محمد، إن الله عز وجل يقول: أما ما كان لي قِبَلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي».

هذا الحديث ضعيف جدًّا؛ في إسناده سعد بن طريف الإسكافي، قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث (ميزان الاعتدال 2/ 122).

وقد يُستدل له أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله…» وفيه أن ديوان ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه يغفره الله إن شاء، وأن ديوان ظلم العباد بعضهم بعضًا فيه القصاص لا محالة. أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي في الشعب، وقال الهيثمي: «فيه صدقة بن موسى، وقد ضعفه الجمهور» (مجمع الزوائد 10/ 348).

القول الخامس: الكبيرة الشرك وما يؤدي إليه

قال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، لقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]

الراجح

أمثل الأقوال هو القول الأول: أن الكبيرة ما ترتب عليها حدٌّ في الدنيا، أو وعيد خاص في الآخرة بنار أو غضب أو لعنة أو نفي إيمان ونحوه؛ وهو المأثور عن ابن عباس، واختاره الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، وسيأتي تفصيل ضوابطه في الجزء الثالث. وأما القولان الثاني والثالث فيُحملان على التحذير من الاستخفاف بالذنوب والإصرار عليها، والقولان الرابع والخامس لا ينهض لهما دليل.

سلسلة الكبائر

هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة «الكبائر»، وهذه أجزاؤها:

  1. تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر
  2. تعريف الكبيرة وأقوال أهل العلم فيه (هذا المقال)
  3. كيف تعرف الكبيرة؟ ضوابطها وعلاماتها
  4. كم عدد الكبائر؟
  5. التحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها
  6. ما يترتب على الوقوع في الكبيرة

أسئلة شائعة

ما أرجح تعريف للكبيرة؟

كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد خاص في الآخرة بالنار أو الغضب أو اللعنة ونحوها.

هل تصير الصغيرة كبيرة؟

نعم، بالإصرار عليها والاستخفاف بها، كما قال ابن عباس: «لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار».

الخلاصة

تعددت أقوال العلماء في تعريف الكبيرة، وأرجحها أنها ما فيه حد في الدنيا أو وعيد خاص في الآخرة، مع التنبيه على أن الصغيرة قد تعظم بالإصرار والاستهانة.