جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة22 أكتوبر 2019
ما الذي يترتب على الوقوع في الكبيرة؟ ستة آثار في الدنيا والآخرة — إسماعيل العضامي

في هذا الجزء الأخير من سلسلة الكبائر نتعرف على الآثار التي تترتب على وقوع العبد في الكبيرة، وهي آثار تتفاوت بحسب نوع الكبيرة: فبعضها يُخرج من الملة، وأكثرها يُنقص الإيمان ولا يُذهبه.

ما يترتب على الوقوع في الكبيرة

1. الكفر في بعض الكبائر

وهذا خاص بكبيرة الكفر وما يشابهها من خصال الردة، وكل خلّة ينتهي أمرها إلى الخروج من ملة الإسلام، كالنفاق الاعتقادي، والجحود، والإعراض الكلي عن الدين.

2. أثر الكبيرة على الإيمان

للكبيرة أثر كبير على الإيمان؛ فهي إما أن تُذهبه كله، وإما أن تنقصه نقصًا قد يبلغ أن لا يبقى منه إلا القليل، عياذًا بالله.

أولًا: الكبائر التي تزيل الإيمان بالكلية

ويندرج تحتها ما كان كفرًا:

  • من أعمال القلوب: كالتكذيب، والنفاق الاعتقادي، والجحود، والاستكبار عن عبادة الله، والإعراض الكلي.
  • ومن أعمال الجوارح: كالسجود لغير الله، والذبح والنذر لغيره، وإهانة المصحف، والسحر الذي فيه استعانة بالشياطين.
  • ومن أقوال اللسان: كسبّ الله أو أحد من أنبيائه، والاستهزاء بالله وآياته ورسوله.

وضابط ذلك: أن كل عمل يزيل أصل الإيمان من القلب يُخرج العبد من دائرة الإيمان؛ كما قال تعالى عن إبليس:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

فقد اجتمع له مع معصية الظاهر معصيةُ الباطن من الإباء والاستكبار على أمر الله، وخلا قلبه من أصل التعظيم والانقياد والاستسلام والقبول، وهذه الأصول إذا خلا القلب من واحد منها خرج العبد من الإيمان إلى الكفر، فكيف إذا اجتمعت؟!

الحكم على فعلٍ بأنه كفر لا يعني الحكم على كل من وقع فيه بعينه بالكفر؛ فلتكفير المعيّن شروط وموانع لا بد من تحققها، ويتولاه أهل العلم. انظر: خطورة التكفير.

ثانيًا: الكبائر التي تنقص الإيمان

المؤمن لا يخرج من الإيمان بارتكابه الكبيرة التي دون الكفر؛ لأن أصل الإيمان مستقر في قلبه، وإذا مات قبل أن يتوب فهو في مشيئة الله: إن شاء غفر له برحمته وفضله، وإن شاء عذّبه بعدله، لكنه لا يخلد في النار، بل عاقبته إلى الجنة. هذا مذهب أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، خلافًا للخوارج والمعتزلة.

ويندرج تحت هذا النوع سائر الكبائر، كالقتل والزنا وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق والفطر في رمضان من غير عذر… لكنها متفاوتة:

  • منها ما يُذهب كمال الإيمان الواجب حتى لا يبقى منه إلا نور يسير، ومن أمثلته:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278–279]

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]

«لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ».

متفق عليه: البخاري (2475)، ومسلم (57)، وزاد أحمد: «وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ»

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «يُنزع منه نور الإيمان في الزنا» (ذكره البخاري معلقًا).

  • ومنها ما هو دون ذلك، وإن كان إثمه عظيمًا، ومن أمثلته:

مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».

أخرجه البخاري (216) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما

«مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ».

أخرجه مسلم (90)

3. إقامة الحد

ليست كل كبيرة فيها حد، وإنما خُصّ بعضها بالحد لحِكم يعلمها الله، ومن حِكم الحدود:

  1. زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها.
  2. صيانة المجتمع من الفساد، ومنع وقوع الجريمة أو تكرارها.
  3. زجر الجاني عن العودة إلى الجريمة.
  4. إصلاح الجاني وتهذيبه لا تعذيبه، وهي كفارة له.
  5. قطع دابر الجريمة، وعدم إشاعة الفاحشة.
  6. منع عادة الأخذ بالثأر التي توسّع رقعة الجريمة.
  7. إطفاء نار الحقد لدى المعتدى عليه وأقاربه.
  8. حصول الأمن وتحقيق العدل في شُعب الحياة كلها.

إقامة الحدود من اختصاص ولي الأمر أو من ينيبه من القضاة، وليست لآحاد الناس.

4. وصف مرتكب الكبيرة بالفسق

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]

  • الفسق لغة: الخروج عن الشيء، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت منه، والفأرة عن جحرها.
  • واصطلاحًا: العصيان، والخروج عن طاعة الله وعن طريق الحق، يقال: فسق عن أمر ربه، أي خرج عن طاعته.

5. انخرام العدالة ورد الشهادة

العدالة: هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه؛ فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفًا وازعًا عن الكذب (المستصفى للغزالي 1/ 100).

  • نقل ابن حزم الإجماع على أن ارتكاب الكبائر جرحة تُرد بها الشهادة (مراتب الإجماع ص 23).
  • وقال الكاساني: الأصل أن من ارتكب جريمة، فإن كانت من الكبائر سقطت عدالته إلا أن يتوب (بدائع الصنائع 6/ 270).
  • وصرّح المالكية بأن العدل من لم يفعل كبيرة بلا توبة منها، فلا يُشترط في العدل عدم مباشرة المعصية مطلقًا لتعذر ذلك (جواهر الإكليل 2/ 233).

6. أثر الكبيرة في حبوط العمل

للكبيرة أثر في حبوط العمل: فمن الكبائر ما يُحبط جميع الأعمال وهو الشرك والردة، ومنها ما يُحبط عملًا بعينه، كترك صلاة العصر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (أخرجه البخاري 553)، وكالمنّ والأذى المبطل للصدقة. وهذه مسألة تحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه.

باب التوبة مفتوح

ومهما عظمت الكبيرة فباب التوبة مفتوح ما لم تغرغر الروح أو تطلع الشمس من مغربها:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]

سلسلة الكبائر

هذا المقال هو الجزء السادس من سلسلة «الكبائر»، وهذه أجزاؤها:

  1. تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر
  2. تعريف الكبيرة وأقوال أهل العلم فيه
  3. كيف تعرف الكبيرة؟ ضوابطها وعلاماتها
  4. كم عدد الكبائر؟
  5. التحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها
  6. ما يترتب على الوقوع في الكبيرة (هذا المقال)

أسئلة شائعة

هل يكفر مرتكب الكبيرة؟

لا يكفر عند أهل السنة والجماعة ما لم تكن كبيرته كفرًا أو يستحلّها، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، فاسق بكبيرته، وأمره في الآخرة إلى مشيئة الله.

هل يخلد مرتكب الكبيرة في النار؟

لا يخلد في النار من مات على التوحيد وإن ارتكب الكبائر، خلافًا للخوارج والمعتزلة.

هل تُقبل شهادة مرتكب الكبيرة؟

لا تقبل حتى يتوب، وقد نقل ابن حزم الإجماع على أن الكبيرة جرحة ترد بها الشهادة.

الخلاصة

الكبيرة تتفاوت آثارها: فبعضها كفر يُخرج من الملة، وأكثرها ينقص الإيمان ويوجب الفسق ويُسقط العدالة، وبعضها يوجب الحد، ومنها ما يُحبط العمل. ومع ذلك فباب التوبة مفتوح، والله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب.