جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة22 أكتوبر 2019
التحذير من الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها: آثارها في الدنيا والآخرة — إسماعيل العضامي

اعلم -أصلح الله قلبي وقلبك- أن للذنوب آثارًا وخيمة على العبد في الدنيا والآخرة، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يستصغر ذنبًا لأنه «صغيرة»؛ فإن الصغائر تجتمع على العبد حتى تهلكه. وفي هذا الجزء الخامس من سلسلة الكبائر نقف مع التحذير من الذنوب عامة.

التحذير من الذنوب والمعاصي

كلمة بليغة لابن القيم في شؤم الذنوب

ومما ينبغي أن يُعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟!

فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجُعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدّل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا…؟

وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلّط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم حجارة من سجيل؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟…

ابن القيم، الجواب الكافي (ص 26)، باختصار

والجواب عن كل ذلك واضح: إنها الذنوب؛ فهي التي أوبقت تلك الأمم وجعلتهم أثرًا بعد عين، وخبرًا بعد كون:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]

التحذير من الذنوب في القرآن الكريم

﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: 55]

أي: فلما أغضبونا بارتكاب ما نُهوا عنه، وترك ما أُمروا به.

﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166]

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: 61]

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 30]

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]

التحذير من الذنوب في السنة النبوية

«إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ».

متفق عليه: البخاري (5223)، ومسلم (2761)

«لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ».

متفق عليه: البخاري (4634)، ومسلم (2760)

«إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾».

أخرجه ابن ماجه (4244) واللفظ له، والترمذي (3334) وقال: حسن صحيح

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».

متفق عليه: البخاري (1496)، ومسلم (19)

«إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا».

أخرجه الدارقطني، وحسّنه النووي في الأربعين، وفي إسناده كلام

وقيل لحذيفة رضي الله عنه: هل تركت بنو إسرائيل دينهم؟ قال: «لا، ولكنهم كانوا إذا أُمروا بشيء تركوه، وإذا نُهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه».

آثار السلف في التحذير من الذنوب

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا».

أخرجه البخاري (6308)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: يا صاحب الذنب، لا تأمننّ سوء عاقبته، ولَما يتبع الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملته: قلةُ حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك، أعظم من الذنب.

  • قال بلال بن سعد: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت».
  • وقال الحسن البصري: «يا ابن آدم، ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة».
  • وقال أيضًا: «هانوا على الله فعصوه، ولو عزّوا عليه لعصمهم».
  • وقال: «إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه، ولا يزال متخوفًا منه حتى يدخل الجنة».
  • وقال محمد بن كعب القرظي: «ما عُبد الله بشيء أحب إليه من ترك المعاصي».
  • وقال الفضيل بن عياض: «بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله».
  • وكتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه: «أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذامًّا».
  • وقال الفضيل: «هو العبد يخلو بمعاصي الله، فيُلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر».
  • وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «احذر أن تبغضك قلوب المؤمنين وأنت لا تشعر».
  • وقال سليمان التيمي: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلّته».
  • وقال يحيى بن معاذ: «عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تُشمت بي الأعداء، ثم هو يُشمت بنفسه كل عدو!» قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يعصي الله فيشمت به في القيامة كل عدو».
  • وقال بعض السلف: «يا أهل المعاصي، لا تغترّوا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه؛ فإنه قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾».

من حكايات المراقبة

قال يعقوب القارئ: رأيت في النوم رجلًا آدم طُوالًا، والناس يتبعونه، فقلت: من هذا؟ قالوا: أويس القرني، فاتبعته فقلت: أوصني رحمك الله، فكلح في وجهي، فقلت: مسترشد فأرشدني أرشدك الله، فأقبل عليّ وقال: ابتغِ رحمة الله عند طاعته، واحذر نقمته عند معصيته، ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك. ثم ولّى وتركني.

وقال إبراهيم التيمي: كنت كثير التردد إلى المقابر أذكر الموت والبِلى، فبينما أنا ذات ليلة بها غلبتني عيناي فنمت، فرأيت قبرًا قد انشق، وإذا الميت يقول: يا رب، ألم أكن أقرأ القرآن؟ ألم أحج بيتك الحرام؟ وجعل يعدد أفعال البر، وإذا قائل يقول: كنت تفعل ذلك ظاهرًا، فإذا خلوت بارزتني بالمعاصي ولم تراقبني.

هذه منامات تُذكر للعظة والاعتبار، ولا يُبنى عليها حكم شرعي، والعمدة في الوعيد على نصوص الكتاب والسنة.

سلسلة الكبائر

هذا المقال هو الجزء الخامس من سلسلة «الكبائر»، وهذه أجزاؤها:

  1. تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر
  2. تعريف الكبيرة وأقوال أهل العلم فيه
  3. كيف تعرف الكبيرة؟ ضوابطها وعلاماتها
  4. كم عدد الكبائر؟
  5. التحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها (هذا المقال)
  6. ما يترتب على الوقوع في الكبيرة

أسئلة شائعة

هل يجوز التهاون بالصغائر؟

لا؛ فالصغائر تجتمع على العبد حتى تهلكه، وتكبر بالإصرار والاستخفاف والمجاهرة، وقد قيل: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت.

ما أثر الذنب على القلب؟

يُنكت في القلب نكتة سوداء، فإن تاب صاحبه صُقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو القلبَ الرانُ.

الخلاصة

الذنوب صغيرها وكبيرها سبب كل شر في الدنيا والآخرة؛ بها أُهلكت الأمم، وتسودّ القلوب، ويُلقى البغض في قلوب الخلق. فالحذر الحذر، والتوبة التوبة، وانظر إلى عظمة من عصيت لا إلى صغر المعصية.

انظر في هذا الباب: الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي (1/ 62–93).