جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة21 أكتوبر 2019
تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر: أقوال العلماء وأدلتهم — إسماعيل العضامي

هذا هو الجزء الأول من سلسلة الكبائر، نبدأ فيه بمسألة تأسيسية: هل الذنوب كلها في درجة واحدة، أم تنقسم إلى صغائر وكبائر؟ ولهذه المسألة أثر في فهم نصوص الوعيد، وفي أحكام العدالة والشهادة، وفي تكفير السيئات.

تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر

مذهب الجمهور: الذنوب صغائر وكبائر

ذهب جمهور العلماء إلى تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، وهذا القول تؤيده نصوص الكتاب والسنة وأقوال عامة السلف، حتى قال الغزالي رحمه الله:

إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه.

نقله ابن حجر في فتح الباري (10/ 423)

القول المخالف: كل المعاصي كبائر

خالف في ذلك بعض الأصوليين، كأبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي المعالي الجويني، وأبي نصر عبد الرحيم القشيري، وحكاه القاضي عياض عن المحققين، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية. فذهبوا إلى أن جميع المعاصي كبائر بالنظر إلى عظمة من عُصي سبحانه، وإن كان بعضها أعظم وقعًا من بعض، وإنما يقال لبعضها: صغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كالقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، لا أنها صغيرة في نفسها. واستدلوا بقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كل ما نهى الله عنه كبيرة» (أخرجه ابن جرير في تفسيره).

انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (34/ 149)، وتفسير القرطبي (5/ 159)، والفروق للقرافي (4/ 66)، والزواجر للهيتمي (1/ 5)، وفتح الباري (10/ 424).

توجيه القرافي

الصغيرة والكبيرة في المعاصي ليس من جهة من عُصي، بل من جهة المفسدة الكائنة في ذلك الفعل؛ فالكبيرة ما عظمت مفسدتها، والصغيرة ما قلّت مفسدتها.

القرافي، الفروق (4/ 66)

وبهذا يتبين أن الخلاف قريب من اللفظي: فالجميع متفقون على أن مخالفة أمر الله عظيمة، وعلى أن الذنوب متفاوتة في مفاسدها وعقوباتها.

أدلة التقسيم من القرآن الكريم

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]

ففي هذه الآية قسّم الذنوب إلى كبائر وسيئات وهي الصغائر؛ قال السدي في قوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: الصغار.

﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]

وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: 53]، وقال في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]، وقال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217].

أدلة التقسيم من السنة النبوية

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ». قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.

متفق عليه: البخاري (2654)، ومسلم (87)

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ».

متفق عليه: البخاري (5973)، ومسلم (90)

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ» قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ».

أخرجه البخاري (6920)

«الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ».

أخرجه مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

«شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».

أخرجه أحمد، وأبو داود (4741)، والترمذي (2435)، وابن ماجه (4310)، وصححه الألباني

أدلة التقسيم من أقوال السلف

عن مغيرة قال: كان يُقال: شتمُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر.

تفسير ابن كثير (2/ 284)

وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: من الكبائر: الشرك، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعا لله ولدًا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل، وأما كل ذنب يصلح معه دين ويُقبل معه عمل، فإن الله يغفر السيئات بالحسنات.

وعن قتادة في الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر. وذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا الكبائر، وسدّدوا، وأبشروا».

وبوّب الإمام البخاري في صحيحه: «باب عقوق الوالدين من الكبائر»، و«باب النميمة من الكبائر».

ثمرة التقسيم

  • أن الصغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر وبالأعمال الصالحة كالصلوات الخمس والجمعة.
  • أن الكبائر لا تكفّرها الأعمال الصالحة وحدها عند الجمهور، بل تحتاج إلى توبة خاصة.
  • أن ارتكاب الكبيرة يقدح في العدالة وتُرد به الشهادة، بخلاف الصغيرة غير المصرّ عليها.
  • ومع ذلك فلا يجوز احتقار الصغيرة؛ فإنها تكبر بالإصرار والاستخفاف، كما سيأتي في الجزء الخامس.

سلسلة الكبائر

هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة «الكبائر»، وهذه أجزاؤها:

  1. تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر (هذا المقال)
  2. تعريف الكبيرة وأقوال أهل العلم فيه
  3. كيف تعرف الكبيرة؟ ضوابطها وعلاماتها
  4. كم عدد الكبائر؟
  5. التحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها
  6. ما يترتب على الوقوع في الكبيرة

أسئلة شائعة

هل كل الذنوب كبائر؟

الجمهور على أن الذنوب صغائر وكبائر، ويقول بعض الأصوليين: كلها كبائر بالنظر إلى عظمة من عُصي، والخلاف قريب من اللفظي.

ما الدليل على وجود صغائر؟

قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فجعل السيئات المكفَّرة غير الكبائر المجتنبة.

الخلاصة

الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر بدلالة الكتاب والسنة وأقوال السلف، والكبيرة ما عظمت مفسدته، والصغيرة ما قلّت مفسدتها، ومع ذلك فالمؤمن لا ينظر إلى صغر الخطيئة، بل إلى عظمة من عصاه.