جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة20 أكتوبر 2019
كيف تعرف الكبيرة؟ ضوابط الكبيرة وعلاماتها عند العلماء — إسماعيل العضامي

كيف تعرف الكبيرة من غيرها؟ وما علاماتها وضوابطها؟ ذكر العلماء رحمهم الله عدة ضوابط تتميز بها الكبيرة عن غيرها من الذنوب، نعرضها في هذا الجزء الثالث من سلسلة الكبائر.

ضوابط الكبيرة

ضابط العز بن عبد السلام: التهاون بالدين

لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها.

قال الحافظ ابن حجر: وهو ضابط جيد (فتح الباري 10/ 424، والزواجر 1/ 8).

وسلك بعض المتأخرين مسلكًا مشابهًا، لكنه عوّل على المفسدة لا على التهاون: فكل معصية ساوت مفسدتُها أدنى مفسدة كبيرة منصوص عليها فهي كبيرة، ومثّل لذلك بدلالة الكفار على عورات المسلمين، فهي أشد فسادًا من الفرار من الزحف المنصوص على أنه كبيرة (إحكام الأحكام لابن دقيق العيد 2/ 294).

ضابط ابن تيمية: ما دون الحدين

سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الكبائر وحدّها، فقال:

أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو: أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة. وهو معنى قول من قال: ما ليس فيها حد في الدنيا، وهو معنى قول القائل: كل ذنب خُتم بلعنة أو غضب أو نار فهو من الكبائر… وذلك لأن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا؛ فكما أنه يُفرَّق في العقوبات المشروعة للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع والقتل وجلد مائة أو ثمانين، وبين العقوبات التي ليست بمقدرة وهي التعزير، فكذلك يفرق في العقوبات التي يعاقب الله بها العباد بين العقوبات المقدرة كالغضب واللعنة والنار، وبين العقوبات المطلقة. وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره؛ فإنه يُدخل كل ما ثبت في النص أنه كبيرة، كالشرك والقتل والزنا والسحر وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة مشروعة، وكالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور؛ فإن هذه الذنوب وأمثالها فيها وعيد خاص…

ابن تيمية، مجموع الفتاوى (11/ 650)

ومن أمثلة الوعيد الخاص التي ذكرها:

﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]

نظم ابن عبد القوي لهذا الضابط

قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية المشهورة:

وكن عالمًا أن الذنوبَ جميعَهابصغرى وكبرى قُسِّمت في المجوَّدِ
فما فيه حدٌّ في الدُّنا أو توعُّدٌبأخرى فسمِّ كبرى على نص أحمدِ
وزاد حفيدُ المجد أو جا وعيدُهبنفيٍ لإيمانٍ ولعنٍ لمُبعَدِ

و«حفيد المجد» هو شيخ الإسلام ابن تيمية، زاد في علامات الكبيرة: نفي الإيمان عن فاعلها، ولعنه.

ضوابط أخرى عند الفقهاء

العالمضابط الكبيرة عنده
الزيلعي (حنفي)ما كان حرامًا لعينه
خواهر زاده (حنفي)ما كان حرامًا محضًا، شُرعت عليه عقوبة محضة بنص قاطع في الدنيا بالحد أو في الآخرة بالوعيد بالنار
الماوردي (شافعي)ما أوجبت الحد، أو توجّه بسببها إلى الفاعل وعيد
الإمام أحمد (نقله القاضي أبو يعلى)كل ذنب أوجب الله فيه حدًّا في الدنيا، أو ختمه بنار في الآخرة

انظر: تبيين الحقائق للزيلعي (4/ 222)، وفتح القدير لابن الهمام (6/ 38)، وجواهر العقود للمنهاجي (2/ 436).

علامات الكبيرة عند ابن الصلاح

قال ابن الصلاح: للكبائر أمارات، منها:

  1. إيجاب الحد.
  2. الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة.
  3. وصف صاحبها بالفسق.
  4. اللعن.

انظر: مطالب أولي النهى (6/ 612)، والفروع لابن مفلح (6/ 564)، والزواجر للهيتمي (1/ 5–8).

وقال ابن حجر الهيتمي عن هذه الضوابط: «قصدوا التقريب، وليست بحدود جامعة» (الزواجر 1/ 7).

من نفى وجود ضابط للكبيرة

ونفى الواحدي وجود ضابط للكبيرة يعرفه العباد، وجعل ذلك لحكمة شرعية، فقال:

الصحيح أنه ليس للكبائر حدٌّ يعرفه العباد وتتميز به عن الصغائر تمييز إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن أُخفي ذلك على العباد ليجتهد كل واحد في اجتناب ما نُهي عنه رجاء أن يكون مجتنبًا للكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في رمضان.

نقله أبو حيان في البحر المحيط (4/ 276)

خلاصة الضوابط في جدول

العلامةمثالها
حدٌّ في الدنياالزنا، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر
وعيد بالنارأكل مال اليتيم ظلمًا
غضب اللهالفرار من الزحف
اللعنلعن آكل الربا وموكله
نفي الإيمان«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»
البراءة أو «ليس منا»«من غشنا فليس منا»

سلسلة الكبائر

هذا المقال هو الجزء الثالث من سلسلة «الكبائر»، وهذه أجزاؤها:

  1. تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر
  2. تعريف الكبيرة وأقوال أهل العلم فيه
  3. كيف تعرف الكبيرة؟ ضوابطها وعلاماتها (هذا المقال)
  4. كم عدد الكبائر؟
  5. التحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها
  6. ما يترتب على الوقوع في الكبيرة

أسئلة شائعة

ما أوضح علامة للكبيرة؟

أن يترتب عليها حد في الدنيا، أو وعيد خاص في الآخرة كالنار أو الغضب أو اللعنة أو نفي الإيمان.

لماذا لم يحدد الشرع ضابطًا قاطعًا للكبائر؟

ذكر الواحدي أن من حكمة ذلك أن يجتهد العبد في اجتناب جميع المنهيات، كما أُخفيت ليلة القدر ليجتهد الناس في الليالي كلها.

الخلاصة

للكبيرة علامات يعرفها بها العلماء، أجمعها ضابط ابن تيمية: ما فيه حدّ في الدنيا أو وعيد خاص في الآخرة، ويُلحق بها ما فيه لعن أو نفي إيمان أو براءة، وما ساوى مفسدة الكبائر المنصوصة.