
ينظر كثير من الناس إلى الهمّ والحزن على أنهما بلاء محض. وهما كذلك إذا كانا للدنيا وعليها؛ أما إذا صُرف الهمّ إلى الله تعالى وإلى الدار الآخرة صار من أعظم ما يرفع العبد. فالشأن ليس في أن تخلو من الهمّ — فذلك لا يكون في الدنيا — وإنما في بأيّ شيء يهتمّ قلبك. وهذه دعوة إلى أن نرتفع بهمومنا.

متى يكون الهمّ نعمة؟
تحرير مهمّ: الحزن ليس مطلوبًا لذاته
قبل أن نسوق كلام السلف في مدح الحزن، لا بد من ضابط ذكره ابن القيم رحمه الله:
منزلة الحزن ليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لا بدّ للسالك من نزولها. ولم يأتِ الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه أو منفيًّا.
ابن القيم، مدارج السالكين (2/169، ط. عطاءات العلم)
فالحزن الذي أثنى عليه السلف ليس الكآبة والقعود، وإنما هو انكسار القلب بين يدي الله: خوفًا من ذنب، أو أسفًا على طاعة فاتت، أو إشفاقًا من الآخرة. هذا هو الهمّ الذي يُثاب عليه صاحبه لأنه يبعثه على العمل.
من كلام السلف في الحزن المحمود
إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يُسكن خرب.
مالك بن دينار — شعب الإيمان للبيهقي (3/295، ط. الرشد)
الحزن حزنان: فحزنٌ لك، وحزنٌ عليك. فالحزن الذي هو لك: حزنك على الآخرة وخيرها. والحزن الذي هو عليك: حزنك على الدنيا وزينتها.
إبراهيم بن أدهم — الهم والحزن لابن أبي الدنيا (ص 43)
وروى ابن أبي الدنيا في الكتاب نفسه عن منصور بن زاذان: «الهمّ والحزن يزيدان في الحسنات، والأشَر والبطَر يزيدان في السيئات»، وعن يزيد الرقاشي: «الدعاء المستجاب الذي تهيّجه الأحزان، ومفتاح الرحمة التضرّع».
الهمّ يكفّر السيئات
لما نزل قوله تعالى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] شقّ ذلك على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
«غفر الله لك يا أبا بكر! ألستَ تمرض؟ ألستَ تنصَب؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ تصيبك اللَّأواء؟» قال: بلى. قال: «فهو ما تُجزون به».
رواه أحمد (68)، وصححه الألباني بشواهده
«ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذًى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها؛ إلا كفّر الله بها من خطاياه».
متفق عليه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: البخاري (5641) ومسلم (2573)
أهل الجنة كانوا في الدنيا مشفقين
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34]
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 26-27]
ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. وينبغي لمن لم يُشفق أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾.
إبراهيم التيمي — حلية الأولياء (4/215)
متى يكون الهمّ نقمة وعذابًا؟
إذا كانت الدنيا أكبر همّ العبد صار همّه عذابًا عليه؛ فهو مشتّت القلب، كثير الغمّ، يغرق في بحر لا ساحل له:
«من كانت الدنيا همَّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتب له. ومن كانت الآخرة نيّتَه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة».
رواه ابن ماجه (4105) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وصححه الألباني
وقال مالك بن دينار: «حزنك على الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة الآخرة من قلبك». وقال الفضيل بن عياض: «فرحك بالدنيا يذهب بحلاوة العبادة، وهمّك بالدنيا يذهب بالعبادة كلها».
الاستعاذة بالله من الهمّ
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر التعوذ من الهمّ الذي يقطع العبد عن سيره إلى الله:
كنت أسمعه كثيرًا يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال».
أنس بن مالك رضي الله عنه — رواه البخاري (2893)
وعلّمنا دعاءً من قاله أذهب الله همّه وأبدله مكان حزنه فرحًا:
«اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك؛ أسألك بكل اسم هو لك… أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همّي».
رواه أحمد (3712) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني
هموم الدنيا وعلاجها من القرآن
همّ الوسواس في الإيمان
يُقبل الشيطان على قلب المؤمن بوساوس يريد بها زعزعة إيمانه، فيحزن لذلك ويغتمّ. وقد شكا الصحابة ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «ذاك صريح الإيمان» (رواه مسلم (132))؛ أي أن كراهتكم لها واستعظامكم إياها دليل إيمانكم. وعلاجها: الاستعاذة بالله، والانتهاء عن الاسترسال معها.
همّ الرزق
وهو الهمّ الذي أقلق أكثر الخلق، إلا من أحسن التوكل وأحسن الظن بالله:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6]
فالرزق في السماء محفوظ لا تمتدّ إليه يد، وهو على الله لا على وظيفة ولا مدير ولا متجر؛ تلك أسباب إن زال منها سبب أبدل الله عبده خيرًا منه إذا أحسن التوكل. وانظر: وقفات تدبرية مع ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾.
همّ المستقبل
كم من الناس حمله الخوف من الغد على الرشوة والربا والكسب الحرام ليؤمّن — بزعمه — مستقبله ومستقبل أولاده! ولو تأمل لعلم أن الغد غيب استأثر الله بعلمه لتستريح القلوب من عناء التفكير فيه:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]
همّ منافسة الأقران في حطام الدنيا
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20]
ثم دلّهم على ميدان المنافسة الحقيقي: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21].
همّ الخصومات والعداوات
من نجح في حياته فلا بد له من حاسد ومبغض. وعلاج ذلك: المداراة — لا المداهنة — ثم العفو والصفح؛ فما استراحت القلوب بمثلهما. قال الشافعي رحمه الله:
وأبلغ من ذلك قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]
وللتوسع: أربع عشرة قاعدة في الصبر على أذى الناس.
همّ أمراض القلوب
الحسد والحقد والعُجب نار في صدر صاحبها لا تكاد تنطفئ؛ فلا يزال حزينًا مكتئبًا. وعلاجه أن يعلم أن النجاة يوم القيامة لصاحب القلب السليم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. وانظر: تسعة أسباب لسلامة الصدر.
همّ التعلّق المحرَّم
تعلّق القلب بالصور المحرّمة سُكرٌ يُذهب العقل؛ قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. وامرأة العزيز ما أنزلها من عزّها إلا ذلك: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: 30]، فلم تبالِ بفضيحة ولا عار. وعلاجه: غضّ البصر، وقطع أسباب التعلق، وشغل القلب بمحبة الله.
همّ الغيرة المفرطة
الغيرة في أصلها فطرة محمودة، لكنها إذا جاوزت حدّها أفسدت على صاحبها — رجلًا كان أو امرأة — عيشه ودينه، وحملته على سوء الظن والتجسس والظلم. وعلاجها: تقوى الله، والرضا بما قسم، وحسن العشرة.
همّ دناءة الهمّة
من دارت همّته حول الدنايا لم يجنِ إلا الأنكاد. وعلاجه في عنوان هذه الخطبة: أن ترتفع بهمّك.
كيف نوجّه همومنا؟ ثلاث قواعد
وجود الهموم أمر حتمي، لكن قليلًا من الناس من يحسن توجيهها.
القاعدة الأولى: اجعل الهموم همًّا واحدًا
«من جعل الهموم همًّا واحدًا — همَّ آخرته — كفاه الله همّ دنياه. ومن تشعّبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالِ الله في أيّ أوديتها هلك».
رواه ابن ماجه (257) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وحسّنه الألباني
فتكون هموم الدنيا كالطيف العابر: يمرّ بالقلب ولا يسكنه.
القاعدة الثانية: اشغل نفسك بالمجاهدة والعمل
من انشغل بمعالي الأمور — طلب العلم، والدعوة، ونفع الخلق، ومجاهدة النفس على الطاعة — لم يبقَ في قلبه متّسع لصغار الهموم. وفي الحديث: «عليكم بالجهاد في سبيل الله؛ فإنه باب من أبواب الجنة، يُذهب الله به الهمّ والغمّ» (رواه أحمد (22680) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه).
القاعدة الثالثة: ابدأ بنصيبك من الآخرة
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. وأوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه رجلًا فقال:
إن أنت ابتدأت بنصيبك من الدنيا يفُتك نصيبك من الآخرة، وعسى ألا تدرك منهما الذي تريد. وإن ابتدأت بنصيبك من الآخرة يمرّ بك على نصيبك من الدنيا فينتظم لك انتظامًا، ثم يدور معك حيث تدور.
رواه إسحاق بن راهويه موقوفًا، قال ابن حجر: رواته ثقات
الهموم التي ترفع صاحبها
1. همّ الخوف من الله تعالى
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]
وقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. قال الحسن البصري: «والذي نفسي بيده، ما أصبح في هذه القرية من مؤمن إلا وقد أصبح مهمومًا محزونًا؛ ففرّوا إلى ربكم وافزعوا إليه، فإنه ليس لمؤمن راحة دون لقائه».
2. همّ الذنوب
هذا همّ الأنبياء والصالحين. قال آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: 16]، وقال الله عن داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24].
وانظر كيف يسوق الخوفُ من الذنب صاحبَه إلى عفو الله:
«كان رجل يُسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا متُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذرّوني في الريح… فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا ربِّ خشيتُك. فغفر له».
متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري (3481) ومسلم (2756)
إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مرّ على أنفه فقال به هكذا.
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (موقوفًا) — رواه البخاري (6308)
وقال الفضيل بن عياض: «كل حزن يبلى إلا حزن التائب». ورُوي أن تميمًا الداري رضي الله عنه قام ليلة حتى أصبح يردّد آية واحدة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: 21]. وللمزيد: التوبة وظيفة العمر.
3. همّ تجديد الإيمان
الإيمان يحتاج إلى تعاهد وتجديد؛ فإن غفل عنه صاحبه نقص وبَلِي:
«إن الإيمان لَيَخلَق في جوف أحدكم كما يَخلَق الثوب؛ فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم».
رواه الحاكم (5) والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وحسّنه الألباني
ويتجدّد الإيمان بتعريض القلب لبيئة الطاعة: الصلاة، والقرآن، والذكر والاستغفار، والصدقة، والإحسان إلى الفقراء واليتامى، وعيادة المرضى، ومجالسة الصالحين.
4. همّ الخوف من النفاق وحبوط العمل
بوّب البخاري في صحيحه: «باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر»، وذكر فيه:
- قول إبراهيم التيمي: «ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا».
- وقول ابن أبي مليكة: «أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه».
- وقول الحسن عن النفاق: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمِنه إلا منافق».
وقيل للحسن: كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوّفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: «والله لأن تصحب أقوامًا يخوّفونك حتى تدرك أمنًا، خير لك من أن تصحب أقوامًا يؤمّنونك حتى تلحقك المخاوف».
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية — على جلالة قدره — إذا أُثني عليه في وجهه يقول:
والله إني إلى الآن أجدّد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيدًا.
نقله عنه تلميذه ابن القيم في مدارج السالكين
وكتب بخطه أبياتًا من نظمه، منها:
وللمزيد: خوف السلف من النفاق.
5. همّ قبول العمل
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 60-61]
قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أهو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: «لا يا بنت الصدّيق؛ ولكنهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدّقون، وهم يخافون ألا يُقبل منهم».
رواه الترمذي (3175) وابن ماجه (4198)، وصححه الألباني
قال الحسن البصري: «إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا». وقال ابن عمر رضي الله عنهما:
لو علمتُ أن الله تقبّل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم، لم يكن غائبٌ أحبَّ إليّ من الموت؛ إنما يتقبّل الله من المتقين.
تاريخ دمشق لابن عساكر (31/146)
6. همّ فوات الطاعات ومواسم الخير
جاء فقراء الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم إلى غزوة العسرة، فلما لم يجد ما يحملهم عليه لم يفرحوا بالعذر، بل:
﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]
ولما بلغ ابنَ عمر حديثُ «من تبع الجنازة حتى تُدفن فله قيراطان» قال: «لقد فرّطنا في قراريط كثيرة» (متفق عليه). ومن رحمة الله أن من حزن على فوات الطاعة بعد سعيه إليها أُعطي أجرها: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلَّوا، أعطاه الله مثل أجر من صلّاها وحضرها» (رواه أبو داود (564) وصححه الألباني).
7. همّ فوات العمر
قال شُميط بن عجلان: «كل يوم ينقص من عمرك وأنت لا تحزن، وكل يوم تستوفي رزقك وأنت لا تحزن!». فرأس مال العبد عمره، وكل نفَس يمضي لا يعود.
8. همّ المسؤولية
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته».
متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: البخاري (893) ومسلم (1829)
«ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة».
متفق عليه من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه: البخاري (7150) ومسلم (142)
وهذا الهمّ هو الذي أقضّ مضاجع الصالحين من الولاة:
لو مات جملٌ ضَياعًا على شطّ الفرات لخشيتُ أن يسألني الله عنه.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه — الطبقات الكبرى لابن سعد (3/305)
ورجع عمر بن عبد العزيز من جنازة سليمان بن عبد الملك وقد وَلِي الخلافة، فقيل له: ما لي أراك مغتمًّا؟ فقال: «لمثل ما أنا فيه يُغتمّ؛ ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في شرق ولا غرب إلا وأنا أريد أن أؤدّي إليه حقه، غيرَ كاتبٍ إليّ فيه ولا طالبِه مني».
وذكر ابن الجوزي في «مثير العزم الساكن» أن عبد الله بن عبد العزيز العمري وعظ هارون الرشيد على الصفا، فأمره أن ينظر إلى الحجيج وقال له: كل واحد منهم يُسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك مسؤول عن الجميع، فانظر كيف تكون! فبكى الرشيد.
وهذا الهمّ ليس للولاة وحدهم؛ فكل أب مسؤول عن بيته، وكل موظف عن عمله. قال الحسن: «المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله؛ وإنما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا». وانظر: عقوق الآباء للأبناء.
9. همّ هداية الناس
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحزن لإعراض قومه حتى سلّاه ربه:
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]
وبَخْعُ النفس: إهلاكها حزنًا. ثم بيّن له أن الهداية بيد الله وحده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. فعلى الداعية أن يحمل همّ الناس ويبذل وسعه، ثم لا يُهلك نفسه حسرة على النتائج. ويحزن المؤمن كذلك حين يرى تفرّق أهل الحق وتنازعهم؛ وعلاج ذلك أن يبدأ بنفسه فيكون جامعًا لا مفرِّقًا.
10. همّ ما يصيب المسلمين
المؤمن يتألم لما يصيب إخوانه في كل مكان من قتل وظلم وفقر ومرض: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» (رواه مسلم (2586)).
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم: لما قُتل القرّاء ببئر معونة دعا على قاتليهم ثلاثين صباحًا (متفق عليه). ولما قدم عليه قوم من مُضَر حفاة عراة تغيّر وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فخطب الناس وحثّهم على الصدقة؛ فتتابعوا حتى اجتمع كومان من طعام وثياب، فتهلّل وجهه كأنه مُذهَبة، وقال: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده» (رواه مسلم (1017)).
فهمُّه صلى الله عليه وسلم لم يكن حزنًا عاجزًا؛ بل تحوّل فورًا إلى عمل: دعاء، وحثّ، وبذل. وهذا الفرق بين الهمّ الذي يرفع والهمّ الذي يُقعِد.
11. الصبر على الأقدار المؤلمة
لا بد لكل أحد من أقدار تؤلمه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]. وهذه دواؤها الصبر الجميل والإيمان بالقدر. قال يعقوب عليه السلام: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ولم يشكُ إلى الخلق: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23]
ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجد أنه اجتمع عليه من البلاء ما لم يجتمع على غيره: اليُتم، والفقر، والحصار في الشِّعب، والإخراج من بلده، وأذى قومه، وجراح أُحد، وفقد الأولاد والأصحاب، والطعن في عِرضه — فصبر حتى صار قدوة الصابرين. وللمزيد: الآداب الشرعية عند نزول البلاء، ومنهج الإسلام في طمأنة النفوس.
ما سبق كله في الهمّ الذي يبعث على العمل. أما من غلبه الحزن حتى أقعده عن عبادته ومعاشه، وطال به ذلك، فليستعن بالله، وليُكثر من الدعاء والذكر، وليراجع أهل الاختصاص من الأطباء؛ فالتداوي مشروع، وليس طلب العلاج ضعفًا في الإيمان.
الخلاصة
- الهمّ لا يخلو منه أحد؛ والعاقل من جعل همّه فيما يرفعه.
- الحزن ليس مطلوبًا لذاته، وإنما يُحمد منه ما كان لله وبعث على العمل.
- همّ الدنيا يفرّق القلب، وعلاجه: التوكل، واليقين بالرزق، والعفو، وسلامة الصدر.
- «من جعل الهموم همًّا واحدًا — همّ آخرته — كفاه الله همّ دنياه».
- الهموم الشريفة: الخوف من الله، والذنوب، وتجديد الإيمان، وقبول العمل، وفوات الطاعة والعمر، والمسؤولية، وهداية الناس، ومصاب المسلمين.
- الهمّ الصادق يتحوّل إلى عمل: توبة، ودعاء، وبذل، ونصرة.
أسئلة شائعة
هل الحزن مطلوب شرعًا؟
ليس مطلوبًا لذاته؛ فقد قال ابن القيم إنه لم يأتِ في القرآن إلا منهيًّا عنه أو منفيًّا، واستعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم. لكن يُثاب العبد على ما يصيبه منه، ويُحمد منه ما كان سببه محمودًا كالحزن على الذنب وفوات الطاعة.
ما دعاء الهمّ والحزن؟
من أصحّ ما ورد: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدَّين وغلبة الرجال»، ودعاء ابن مسعود: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك… أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي».
كيف أتخلص من همّ الرزق والمستقبل؟
باليقين أن الرزق مكتوب مضمون، وأن الغد غيب لا يعلمه إلا الله؛ ثم بالأخذ بالأسباب المباحة، وترك الحرام، وجعل الآخرة أكبر الهمّ؛ فمن فعل ذلك كفاه الله همّ دنياه.


