
سلامة الصدر من أمراض الحسد والغل والحقد والضغينة نعمة عظيمة، يعيش بها المؤمن مطمئن القلب، مرتاح النفس، محبوبًا بين الناس. أما القلب المثقل بهذه الآفات فيضيق ويحرج، وتسرع إليه الأمراض من كل مكان. وسلامة الصدر غاية المؤمن؛ لأنها سبيل النجاة يوم القيامة:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88–89]
وفي هذا المقال تسعة أسباب تعين على الوصول إلى هذا القلب السليم.

فضل سلامة الصدر
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ».
رواه ابن ماجه (4216)، وصححه الألباني
1. الإخلاص والزهد فيما عند الناس
أن يتوجه العبد بقلبه إلى ما عند الله، راغبًا عما في أيدي الناس؛ فإن أكثر الغل والحسد إنما ينشأ من التنافس على الدنيا. قيل لبعضهم: بمَ ساد الحسن البصري أهل البصرة؟ قال: احتاجوا إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
2. الرضا بما قسمه الله
قال ابن القيم: إن الرضا يفتح له باب السلامة، فيجعل قلبه سليمًا نقيًّا من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم كذلك، وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضًا كان قلبه أسلم.
مدارج السالكين
فالحسود في حقيقته ساخط على قسمة الله، معترض على قضائه.
3. قراءة القرآن وتدبره
فالقرآن دواء لكل داء، والمحروم من لم يتداوَ به: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57].
4. تذكر الحساب والعقاب
من أيقن أنه محاسب على كل صغيرة وكبيرة، هانت الدنيا عليه، وزهد في التنافس عليها، وأمسك لسانه وقلبه عن إخوانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
5. الدعاء بسلامة القلب
على المسلم أن يلزم هذا الدعاء القرآني لنفسه ولإخوانه، وهو دعاء التابعين لهم بإحسان:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» رواه أبو داود (1510) والترمذي (3551).
6. حسن الظن وحمل الكلام على أحسن المحامل
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. ويُروى عن عمر رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا.
7. إفشاء السلام
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
رواه مسلم (54)
ويُروى عن عمر رضي الله عنه: ثلاث يُصفين لك ودّ أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه.
8. محبة الخير للمسلمين والدعاء لهم
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
متفق عليه: البخاري (13) ومسلم (45)
ومن محبة الخير لهم الدعاء لهم بظهر الغيب. قال ابن القيم: فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم، كذلك ينبغي أن يستغفر لأخيه المسلم، فيصير ديدنه: رب اغفر لي ولوالديّ وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. وذكر أن شيخه ابن تيمية كان يذكر لهذا الدعاء فضلًا عظيمًا، ولعله كان من أوراده التي لا يخل بها.
9. ترك الاستماع إلى الغيبة والنميمة
فالغيبة والنميمة تملآن القلب ضغينة على الناس، وتفسدان ذات البين؛ فعلى المسلم أن يعرض عنهما، وينكر على أهلهما، ويذبّ عن عرض أخيه، ليبقى قلبه سليمًا لإخوانه.
الخلاصة
| السبب | أثره في سلامة الصدر |
|---|---|
| الإخلاص والزهد | يقطع التنافس على الدنيا |
| الرضا بالقسمة | يطفئ نار الحسد |
| تدبر القرآن | شفاء لما في الصدور |
| تذكر الحساب | يهوّن الدنيا ويكف اللسان |
| الدعاء | يطهّر القلب من الغل |
| حسن الظن | يمنع سوء الفهم والعداوة |
| إفشاء السلام | ينشر المحبة |
| محبة الخير للمسلمين | علامة كمال الإيمان |
| ترك الغيبة والنميمة | يحفظ القلب من الضغينة |
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الحسد والغبطة؟
الحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها وهو محرم، والغبطة تمني مثل نعمة الغير دون زوالها عنه، وهي جائزة، ومحمودة في أمور الخير.
كيف أعالج الحسد في قلبي؟
بالرضا بقسمة الله، والدعاء لمن تحسده بالبركة، والإحسان إليه، وتذكر أن الحسد لا يغير من قدر الله شيئًا، وإنما يضر صاحبه.
ما معنى القلب السليم؟
هو القلب السالم من الشرك والشك، ومن الشهوات المحرمة والشبهات، ومن الغل والحسد لعباد الله.
وانظر: أربع عشرة قاعدة في الصبر على أذى الناس، وأشرف عضو في الإنسان: القلب.


