جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

منهج الإسلام في طمأنة النفوس: من أين تأتي الطمأنينة عند الأزمات والأوبئة؟ — إسماعيل العضامي

جاء الإسلام ليُخرج الناس من ظلمات الخوف والقلق والاضطراب إلى نور الأمن والإيمان. وهذه الخطبة — وقد أُلقيت في أيام جائحة كورونا، والناس بين خائف ومضطرب — حديثٌ عن منهج الإسلام في طمأنة النفوس: ثلاث مقدمات تمهّد للموضوع، ثم جواب السؤال الذي يشغل كل قلب: من أين تأتي الطمأنينة؟

منهج الإسلام في طمأنة النفوس عند الأزمات والأوبئة

الإسلام دين الطمأنينة والبشرى

جاء الإسلام بمنهج فريد في طمأنة النفوس التي تتقاذفها الأهواء وتعصف بها المخاوف والأحزان:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257]

ومن هذه الظلمات: المخاوف التي تحول بين الإنسان وبين سكينة نفسه؛ فإن النفس لا تسكن إلا بتوحيد الله تعالى والثقة به، ولا يشتد اضطرابها وتمزّقها إلا إذا تعلّقت بغيره:

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]

فمن تعلّق قلبه بغير الله كان متقطّع الفكر، مشتّت العزم، تائهًا بين المخاوف. ومن أكبر الأخطاء أن تُعزل تعاليم الإسلام وآدابه عن معترك الحياة ونوازل الحوادث، كأن الدين لا شأن له بما يصيب الناس!

القرآن كتاب بشرى

امتلأ القرآن الكريم بالبشارة والتثبيت، وجعل الله ذلك من مقاصد إنزاله:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]

﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 102]

وحتى آية الابتلاء خُتمت بالبشرى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]

وتكرر الأمر بالتبشير في مواضع كثيرة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: 37]، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: 17].

هدي النبي ﷺ في بثّ الطمأنينة وقت الشدة

كان النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات العسرة والضيق يبعث كلمات البشرى والتفاؤل، فتنفلق بها ظلمة القلق كما ينفلق الفجر. وكانت تلك وصيته لمن يرسله:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: «بشِّروا ولا تنفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا».

رواه مسلم (1732) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه

ومن مواقفه صلى الله عليه وسلم في ذلك:

  • في الغار يوم الهجرة: والمشركون على رأس الغار، يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، ويقول: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟» (متفق عليه).
  • يوم الخندق: والمدينة محاصرة والخوف شديد، ضرب الصخرة التي اعترضتهم وهو يكبّر ويبشّر أصحابه بفتح الشام وفارس واليمن. (أخرجه أحمد (18694) من حديث البراء بن عازب، وفي إسناده مقال).
  • يوم الحديبية: لما أقبل سهيل بن عمرو مفاوضًا عن قريش قال: «لقد سَهُل لكم من أمركم»، فتفاءل باسمه. (أخرجه البخاري (2731) في حديث الحديبية من مرسل عكرمة).
  • ويُروى أنه بشّر سراقة بن مالك يوم الهجرة بسواري كسرى، وهو خبر مشهور في السيرة لكن أسانيده لا تخلو من مقال. وانظر: الدروس التربوية من الهجرة النبوية.

عاقبة التشاؤم

وكان صلى الله عليه وسلم يكره التشاؤم ويحب الكلمة الطيبة، وفي الصحيح موقف يبيّن أثر الكلمة في صاحبها:

دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أعرابي يعوده، فقال: «لا بأس، طَهور إن شاء الله». فقال: قلتَ: طَهور؟ كلا، بل هي حمّى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذًا».

رواه البخاري (3616) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما

بشّره النبي صلى الله عليه وسلم بأن مرضه تطهير له، فأبى إلا التشاؤم، فكان له ما اختار لنفسه. وقد تقرّر عند أهل الطب قديمًا وحديثًا أن لحال النفس أثرًا بيّنًا في قوة البدن على مدافعة المرض؛ فالهلع يُضعف، والطمأنينة تُعين.

الدين حياة للقلوب لا مخدِّر لها

عزل الإسلام عن الحياة وعن التعامل مع الأحداث ليس من شأن المسلم. وقد شاعت كلمة كارل ماركس: «الدين أفيون الشعوب»، وما زال لها صدى عند من لم يتشرّب قلبه العقيدة الصافية؛ يظن أن طمأنينة المؤمن تخدير يصرفه عن العمل!

والحق أن الإسلام يجمع الأمرين معًا: يقينًا يسكّن القلب، وأمرًا بالعمل يحرّك الجوارح. فهو حياة لا خدَر:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]

والمؤمن رابح في حالَيه، لا تُسقطه الشدة ولا يُطغيه الرخاء:

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له».

رواه مسلم (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه

لماذا يشتد الهلع عند من جعل الدنيا غايته؟

الحضارة المادية المعاصرة عظّمت الإنسان حتى جعلته مركز الوجود، وجعلت الحياة الدنيا هي الغاية؛ فإذا تهدّدت هذه الحياة لم يبقَ للنفس ما تستند إليه، فيشتد الهلع ويعمّ الاضطراب. وقد وصف القرآن هذا التعلق بالحياة:

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: 96]

ولهذا رأينا كيف تتحول الأزمات الكبرى — كالكساد الكبير سنة 1929م، والأزمة المالية العالمية سنة 2008م، ثم الأوبئة — إلى موجات ذعر عامّ؛ لأن من لا يرجو آخرةً ولا يؤمن بقدرٍ لا يجد عند المصيبة ما يتماسك به.

من آفات أوقات الأزمات: كثرة الشائعات، والمقاطع والكتابات التي تفسّر كل حدث بمؤامرة مدبّرة. والمؤمن لا يبني يقينه على الظنون، ولا يشغل قلبه بما لا يعلم حقيقته؛ بل يتثبّت، ويشتغل بما ينفعه: إصلاح نفسه، والأخذ بأسباب السلامة، وحسن الظن بربه.

والآن إلى السؤال المهم: من أين تأتي الطمأنينة؟

أولًا: تحقيق الإيمان بالقدر

أول ما يسكّن القلب أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22]

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]

فجعل هداية القلب وسكينته ثمرةً للإيمان بأن المصيبة بإذن الله. وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس:

«واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».

رواه الترمذي (2516) وقال: حسن صحيح

ثانيًا: صدق التوكل على الله

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]

والتوكل هو الذي يثبّت النفوس عند جزعها؛ فقد خُوِّف الصحابة بجموع الأعداء فما زادهم التخويف إلا إيمانًا:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]

«حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.

ابن عباس رضي الله عنهما — رواه البخاري (4563)

وكانت العاقبة: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174]. وللتوكل الصادق أثر عجيب في تحرير النفس من أسر الخوف، وانظر في ذلك: قصة من حبس نفسه 37 سنة خوفًا من حكم لم يصدر.

ثالثًا: ذكر الله والفزع إلى الصلاة

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

فهذا نصّ في أن الطمأنينة ثمرة الذكر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمرٌ صلّى (رواه أبو داود (1319) وحسّنه الألباني)، وكان يقول: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها» (رواه أبو داود (4985)). فمن ضاق صدره فليفزع إلى الصلاة والذكر وتلاوة القرآن قبل أن يفزع إلى نشرات الأخبار. وللمزيد: أسباب انشراح الصدر.

رابعًا: ترك التشاؤم والطِّيَرة

التشاؤم يفتح على القلب أبواب الوساوس، ولذلك عدّه الشرع قادحًا في التوحيد:

«الطِّيَرة شرك، الطِّيَرة شرك» — قال ابن مسعود: وما منّا إلا، ولكنّ الله يُذهبه بالتوكل.

رواه أبو داود (3910) والترمذي (1614) وقال: حسن صحيح، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ والجملة الأخيرة من كلام ابن مسعود على الراجح

فدلّ على أن ما يعرض للنفس من خواطر التشاؤم يُدفع بالتوكل. وعلاجه كذلك الدعاء:

«من ردّته الطِّيَرة عن حاجته فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله، فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».

رواه أحمد (7045) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني

خامسًا: نشر روح التفاؤل والسكينة

عكس الطيرة: الفأل الحسن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه:

«لا عدوى ولا طِيَرة، ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة».

متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: البخاري (5776) ومسلم (2224)

وسمع صلى الله عليه وسلم كلمة فأعجبته فقال: «أخذنا فألك من فيك» (رواه أبو داود (3917) وصححه الألباني). فمن فقه الأزمات: أن يكون المسلم مصدر طمأنينة لمن حوله؛ يبشّر ولا ينفّر، وينقل الخبر الصادق النافع، ويمسك عن بثّ الذعر.

آيات السكينة

السكينة طمأنينة يُنزلها الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف. قال ابن القيم:

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدّت عليه الأمور قرأ آيات السكينة.

ابن القيم، مدارج السالكين (3/332، ط. عطاءات العلم)

وذكر ابن القيم أنه جرّب هو أيضًا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه، فرأى لها تأثيرًا عظيمًا في سكونه وطمأنينته. وهي ستّ آيات:

  1. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248].
  2. ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 26].
  3. ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].
  4. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4].
  5. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 18].
  6. ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26].

قراءة آيات السكينة عند الشدة من تجارب أهل العلم في الاستشفاء بالقرآن، وهو كله شفاء ورحمة؛ ولم يرد في تخصيصها حديث مرفوع، فلا تُعتقد سُنّةً راتبة بعدد أو وقت معيّن.

مرّت بالأمة شدائد أعظم فما تزلزلت

الهلع الزائد غير مطلوب؛ فقد مرّ على هذه الأمة ما هو أشدّ مما نحن فيه، فما تزلزلت لها عقيدة ولا اهتزّ لها ركن. وقد نقل الإمام النووي عن أبي الحسن المدائني أن الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة:

الطاعونزمانه ومكانهمما ذُكر فيه
طاعون شيرويهسنة 6هـ، بالمدائنوقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
طاعون عَمَواسسنة 18هـ، بالشام، زمن عمر رضي الله عنهمات فيه خمسة وعشرون ألفًا، وفيه توفي أبو عبيدة ومعاذ رضي الله عنهما
الطاعون الجارفشوال سنة 69هـ، زمن ابن الزبيرهلك فيه في ثلاثة أيام، في كل يوم سبعون ألفًا
طاعون الفتياتشوال سنة 87هـبدأ في العذارى بالبصرة وواسط والشام والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف
طاعون سنة 131هـمن رجب، واشتد في رمضانكان يُحصى في اليوم ألف جنازة، ثم خفّ في شوال

وذكر كذلك طاعونًا بالكوفة سنة خمسين، وفيه مات المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (شرح النووي على مسلم 1/106). وهذه الأعداد من نقل الأخباريين، والمقصود العبرة لا الإحصاء. وقد بيّن النووي في «الأذكار» الغاية من ذكر هذه الأخبار، وهي: التصبّر والتأسّي، وأن يعلم الإنسان أن مصيبته قليلة بالنسبة إلى ما جرى على غيره.

سادسًا: الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج

الأخذ بالأسباب من تمام التوكل لا من نقصه. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما هذه القاعدة الجامعة:

الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا تغيير في وجه العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع.

نقله ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (5/366)

وفي قصة ذي القرنين نبّه الله تعالى ثلاث مرات على أخذه بالأسباب: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89، 92]؛ فاستعمل ما أمكنه من الأسباب المادية، ثم ردّ الفضل إلى ربه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98]. فاجتمعت له الأسباب الظاهرة والباطنة.

والناس مع الأسباب طرفان ووسط:

  • طرف غالٍ فيها: يعتقد أن الأسباب مؤثرة بذاتها، فيتعلّق قلبه بها وينسى مسبِّبها.
  • وطرف مفرِّط: متواكل لا يبذل وسعه، كالقوم الذين أرادوا من ذي القرنين أن يكفيهم كل شيء، فقال لهم: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95].
  • ووسط هو هدي أهل السنة: يأخذون بالأسباب بجوارحهم، ويتوكلون على الله بقلوبهم، ويعلمون أن الأسباب مطايا ووسائل لا غايات.

أسباب الوقاية الحسّية

سبقت السنة النبوية إلى أصول الوقاية من العدوى والحجر الصحي:

«وفِرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد».

رواه البخاري (5707) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

«لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحّ».

متفق عليه: البخاري (5771) ومسلم (2221)

«إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها».

متفق عليه: البخاري (5728) ومسلم (2218)

ولما رجع عمر رضي الله عنه بالناس عن الشام حين وقع بها الطاعون، قيل له: أفرارًا من قدر الله؟ فقال: «نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله» (متفق عليه). فالوقاية قدَرٌ يُدفع به قدَر.

لكل داء دواء

«ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً».

رواه البخاري (5678) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

«لكل داء دواء، فإذا أُصيب دواءُ الداء برأ بإذن الله عز وجل».

رواه مسلم (2204) من حديث جابر رضي الله عنه

«تداوَوا؛ فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داء واحد: الهَرَم».

رواه أبو داود (3855) والترمذي (2038) وقال: حسن صحيح، من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه

وفي هذه الأحاديث تقوية لنفس المريض والطبيب معًا، وحثٌّ على طلب الدواء والبحث عنه؛ فما من وباء إلا وله علاج، عَلِمه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله.

الأسباب الشرعية

  • الدعاء والتعوذ: ومنه: «اللهم إني أعوذ بك من البَرَص والجنون والجُذام ومن سيِّئ الأسقام» (رواه أبو داود (1554) وصححه الألباني)، وقول: «بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات صباحًا ومساءً (رواه أبو داود (5088) والترمذي (3388) وقال: حسن صحيح).
  • التوبة والاستغفار: قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: 3]، وقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10]. وانظر: التوبة وظيفة العمر.
  • الصدقة والإحسان إلى المتضررين، وأذكار الصباح والمساء، والرقية الشرعية، والمحافظة على الفرائض.

سابعًا: اغتنام المحنة في الطاعة

قال الإمام ابن عقيل الحنبلي:

الأمراض مواسم العقلاء؛ يستدركون بها ما فات من فوارطهم وزلّاتهم إن كانوا من أرباب الزلّات، ويستزيدون من طاعاتهم إن لم يكونوا أرباب زلّات.

ابن عقيل، كتاب الفنون (1/413)

وللعبادة في أوقات الفتن والشدائد منزلة خاصة:

«العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليّ».

رواه مسلم (2948) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه

والهَرْج: الفتنة واختلاط أمور الناس. وقد ذكر أهل العلم لهذا الفضل أسبابًا، منها:

  1. أن الناس يغفلون عن العبادة حينئذ ويشتغلون عنها، فلا يتفرغ لها إلا أفراد (ذكر معناه النووي).
  2. أن الناس في زمن الفتن يتّبعون أهواءهم، فمن تمسّك بدينه بينهم كان كمن هاجر من بين أهل الجاهلية إلى النبي صلى الله عليه وسلم (ذكر معناه ابن رجب).
  3. أن المنقطع للعبادة فرّ بدينه إلى ربه، كما فرّ المهاجر بدينه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذكر معناه القرطبي).
  4. أن القلوب تنشغل إذا عمّت الفتن، فمن تعبّد حينئذ دلّ ذلك على قوة اشتغال قلبه بالله (ذكر معناه ابن الجوزي).

ومن رحمة الله أن من حبسه المرض أو العذر عن عمل صالح كان يعمله كُتب له أجره: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (رواه البخاري (2996)). ومن مات بالوباء صابرًا محتسبًا رُجيت له الشهادة: «الطاعون شهادة لكل مسلم» (متفق عليه).

ولتمام الفائدة: الآداب الشرعية عند نزول البلاء، وثمانية فروق بين الابتلاء والعقوبة، وصلاة الجمعة في البيوت عند إغلاق المساجد.

الخلاصة

  • الإسلام دين طمأنينة وبشرى؛ قرآنه «هدى وبشرى»، ونبيّه صلى الله عليه وسلم كان يبشّر أصحابه في أحلك المواقف.
  • طمأنينة المؤمن ليست تخديرًا عن العمل، بل يقينٌ في القلب مع أخذٍ بالأسباب.
  • أسباب الطمأنينة سبعة: الإيمان بالقدر، والتوكل، والذكر والصلاة، وترك التشاؤم، ونشر التفاؤل والسكينة، والأخذ بأسباب الوقاية والعلاج، واغتنام المحنة في الطاعة.
  • الوقاية والتداوي من الدين، و«نفرّ من قدر الله إلى قدر الله».
  • مرّت بالأمة أوبئة أعظم، فصبرت واحتسبت وخرجت منها أثبت إيمانًا.

أسئلة شائعة

هل الخوف من المرض والوباء ينافي التوكل؟

الخوف الطبيعي الذي يدفع إلى الحذر والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم ونهى عن دخول أرض الطاعون. والمذموم هو الهلع الذي يُنسي صاحبه ربَّه، ويحمله على الجزع والتسخط وسوء الظن بالله.

ما آيات السكينة؟ وهل قراءتها سُنّة؟

هي ست آيات ورد فيها ذكر السكينة: البقرة (248)، والتوبة (26، 40)، والفتح (4، 18، 26). وقراءتها عند الشدة منقولة عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من باب التجربة والاستشفاء بالقرآن، ولم يرد فيها حديث مرفوع بخصوصها.

ما الدعاء المشروع للوقاية من الأوبئة والأمراض؟

من أصحّ ما ورد: «اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيِّئ الأسقام»، و«بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاثًا في الصباح والمساء، مع المحافظة على أذكار الصباح والمساء وسؤال الله العافية.