جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الدروس التربوية من الهجرة النبوية: عشرة دروس وعبر للفرد والأمة — إسماعيل العضامي

لم تكن الهجرة النبوية رحلة من بلد إلى بلد، بل كانت حدًّا فاصلًا في تاريخ الإسلام، انتقلت به الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الجماعة المطارَدة إلى الأمة والدولة. ولهذا أرّخ بها الصحابة، وبقيت دروسها زادًا لكل من أراد أن يقيم دين الله في نفسه وفي الأرض. وفي هذه الخطبة عشرة دروس تربوية منها.

الدروس التربوية من الهجرة النبوية

من فضائل الهجرة

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أعرابيًّا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فقال: «وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟» قال: نعم، قال: «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا».

متفق عليه

وقال صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ».

متفق عليه

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، فقبضت يدي، قال: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قلت: أردت أن أشترط، قال: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قلت: أن يُغفر لي، قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟».

رواه مسلم (121)

لماذا كانت الهجرة؟

للهجرة أسباب، على رأسها ما كان يلقاه المسلمون من أذى وتعذيب على يد صناديد قريش. فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة سنة خمس من البعثة، خرج فيها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، فنزلوا بخير دار عند خير جار، أمنوا على دينهم ولم يخشوا ظلمًا.

ثم بلغهم أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس منهم، فلم يجدوا الخبر صحيحًا، فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكانوا أكثر من ثمانين رجلًا.

لكنّ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم تكن فرارًا من الأذى، ولا طلبًا للأمن ورغد العيش، وإنما كانت لإقامة الدين، ورفع رايته، وبناء مجتمع يعبد الله وحده ويحكم بشرعه.

الدرس الأول: تصحيح النية والغاية

قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».

متفق عليه

شتّان بين من يتحرك لتكون كلمة الله هي العليا، وبين من يتحرك ليشبع بطنه ويرضي شهوته! وكل سعي للإصلاح لا يُراد به وجه الله تعالى فلا بركة فيه. فإذا تساءل الناس: لماذا لا تتحسن أحوالنا؟ فالجواب في كتاب الله:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]

فمن أراد الدنيا وحدها لم يتم له ما أراد، ومن أراد وجه الله وإقامة دينه أصلح الله له دنياه وآخرته.

الدرس الثاني: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله

كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، ومع ذلك لم يترك سببًا من أسباب النجاح إلا أخذ به: كتم خبر الخروج، وأعدّ الراحلتين قبل الموعد، وخرج في وقت لا يُظن فيه الخروج، واختبأ في غار ثور ثلاث ليالٍ حتى يهدأ الطلب، واستأجر دليلًا خبيرًا بالطريق هو عبد الله بن أُريقط، وسلك طريقًا غير معتاد.

فلما استنفد الأسباب كلها ووصل المشركون إلى فم الغار، ظهر التوكل في أعلى صوره. وهذا هو الميزان: نأخذ بالأسباب كأنها كل شيء، ونتوكل على الله كأنها لا شيء.

الدرس الثالث: توظيف الطاقات وتوزيع الأدوار

في الهجرة كان لكل واحد دوره المناسب لسنّه وقدرته:

  • الكبار للصحبة والدعم: جاء النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال: «قد أُذن لي في الخروج»، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله! قال: «نعم». قال: فخذ إحدى راحلتيّ هاتين، قال: «بالثمن». رواه البخاري.
  • الشباب للمهام الصعبة: فنام علي بن أبي طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، وكان عبد الله بن أبي بكر يستمع أخبار قريش نهارًا ويأتي بها إلى الغار ليلًا.
  • النساء للإمداد: فجهّزت أسماء بنت أبي بكر الزاد، وشقّت نطاقها فربطت به الجراب، فسُميت «ذات النطاقين».
  • الموالي والأُجراء: فكان عامر بن فهيرة يرعى الغنم على آثار الأقدام ليُعفّيها.
  • أهل المدينة للاستقبال والنصرة: قال البراء رضي الله عنه: «ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري.

وهكذا بناء الأمة: لا يستقل به فريق واحد، بل لا بد من مشاركة الجميع، كلٌّ على قدر طاقته وعلمه وأمانته.

الدرس الرابع: اليقين بنصر الله

ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مكة ثلاثة عشر عامًا، لم يكونوا كثيرًا، لكنهم كانوا رجالًا، غرس فيهم اليقين بأن الغلبة لهذا الدين. وفي الغار لقّن أبا بكر درس الثبات في أحرج المواقف:

قال أبو بكر رضي الله عنه: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟».

متفق عليه

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]

فالمستقبل لهذا الدين؛ يذهب الجبابرة والطغاة ويبقى الإسلام، وتفنى المذاهب والنظريات ويبقى القرآن لا يُمحى ولا يزول.

الدرس الخامس: المسجد أولًا

أول ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى دار هجرته: بناء المسجد؛ ذلك المحضن الطاهر الذي تنطلق منه الدعوة إلى آفاق أوسع، قال تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۝ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: 36–37]

فالمسجد هو الذي يخرّج جيوش العلم والدعوة، وهو مصنع الرجال، فإذا تخلّى عن دوره كان الشتات والضياع. والمسجد لا يتخلى عن دوره، وإنما يتخلى عنه من يقوم على رعايته. وانظر: 50 فائدة يخسرها تارك الصلاة في المسجد.

الدرس السادس: قادة النصر عبّادٌ لله

قال الأصمعي: لما صافّ قتيبة بن مسلم للترك، وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل: هو ذاك في الميمنة، جانح على قوسه، يُبصبص بأصبعه نحو السماء. قال: «تلك الأصبع أحبّ إليّ من مئة ألف سيف شهير وشاب طرير».

سير أعلام النبلاء (6/ 121)

ويُحكى عن صلاح الدين الأيوبي أنه كان يتفقد الخيام ليلًا، فإذا وجد أهلها قائمين يصلّون قال: من هاهنا يتنزل النصر، وإذا وجدهم نائمين قال: من هاهنا نُؤتى. ويُذكر عن عمر المختار أنه كان يختم القرآن كل سبعة أيام، وقلّما نام إلى الصباح.

فما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، والتمكين في الأرض وعد الله لعباده الصالحين:

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]

الدرس السابع: الأخوة ووحدة الصف

لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وصهر تلك الطاقات كلها في بوتقة واحدة، فحصل لهم كمال الأخوة، وذهبت عصبية القبائل، وحسد الأحزاب، وغيرة الأقران. وأثنى الله على الأنصار فقال:

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]

وأخطر ما يُبتلى به صفٌّ: الخيانة من داخله، وما أصدق قول الشاعر:

وإخوانٍ حسبتُهمُ دروعًافكانوها ولكنْ للأعادي
وخلتُهمُ سهامًا صائباتٍفكانوها ولكنْ في فؤادي

الدرس الثامن: الإسلام منهج حياة شامل

الهجرة وثيقة تربوية، فحواها أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة والصيام ونحوهما من العبادات -على عظم منزلتها، وكونها دعائمه الراسخة- بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا منهجه وآدابه وفضائله في بيوتهم وأسواقهم، ومحالّ أعمالهم، ومدارسهم وجامعاتهم، ودواوين حكمهم.

فلا يكفي أن يكون الدين في المسجد فقط؛ فهذا عزل للدين عن الحياة، وهو خلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم الذي بنى في المدينة مسجدًا وسوقًا ومجتمعًا ودولة.

الدرس التاسع: قيادة مطاعة وأتباع صادقون

من أسرار نجاح الهجرة -بعد توفيق الله- أن لها قائدًا مسدَّدًا مسموع الكلمة، وأصحابًا صادقين رهن إشارته. استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم بدر، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال:

«قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسِر بنا على بركة الله».

السيرة النبوية لابن هشام

الدرس العاشر: الاستقلال الحضاري والتأريخ الهجري

لما احتاج المسلمون إلى تأريخ يضبطون به أمورهم، جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة واستشارهم، فاتفقوا على أن يؤرخوا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها التي فرّقت بين الحق والباطل. فصار للأمة تقويمها المستقل، المرتبط بعباداتها: صيامها وحجها وزكاتها.

وفي ذلك درس في الاستقلال الحضاري: فالأمة التي تريد النهوض لا تعيش عالةً على غيرها في أفكارها وقوانينها وهويتها، ولا ولاء عندها إلا لله ورسوله والمؤمنين.

ثمرات الهجرة

حقّقت الهجرة -بفضل الله- ما كان يسعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: فأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، وعبدوا ربهم جهارًا، وشاع العدل، وعاين المسلمون نعمة الأخوة بعد العداوة، والوحدة بعد التفرق، والقوة بعد الضعف. وذكّرهم الله بهذه النعمة فقال:

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26]

وإقامة شرع الله في الأرض سبب للخير والبركة:

قال صلى الله عليه وسلم: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا».

رواه النسائي (4904) وابن ماجه (2538) وأحمد

الهجرة الباقية إلى يوم القيامة

انقطعت الهجرة من مكة إلى المدينة بفتح مكة، لكن بقيت هجرة لا تنقطع، يستطيعها كل مسلم في كل يوم:

قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».

رواه البخاري (10)

وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ».

متفق عليه

فاهجر الذنوب إلى الطاعات، والغفلة إلى الذكر، ورفقة السوء إلى صحبة الصالحين؛ تكن من المهاجرين إلى الله ورسوله.

الخلاصة

  1. الهجرة كانت لإقامة الدين لا لطلب الراحة، والأعمال بالنيات.
  2. الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو من تمامه.
  3. بناء الأمة يحتاج إلى كل الطاقات: الكبار والشباب والنساء.
  4. اليقين بمعية الله زاد المؤمن في أحرج المواقف.
  5. المسجد أول ما يُبنى، ومنه ينطلق الإصلاح.
  6. النصر والتمكين وعد الله لعباده الصالحين.
  7. الأخوة ووحدة الصف أساس المجتمع المسلم.
  8. الإسلام منهج شامل للحياة كلها.
  9. القيادة المسدَّدة والأتباع الصادقون سرّ النجاح.
  10. للأمة هويتها وتقويمها واستقلالها الحضاري.