
كثير من الناس يخلط بين الابتلاء والعقوبة، فيُنزل آيات الابتلاء وأحاديثه على العقوبة، وأحيانًا العكس، فيقع في الخطأ، وربما ظن أن النصوص متعارضة، وربما دخل عليه سوء الظن بالله تعالى. وفي هذا المقال بيان ثمانية فروق جوهرية بينهما، تُزيل الإشكال وتطمئن بها القلوب.
من أين يأتي الخلط بين الابتلاء والعقوبة؟
إذا قرأ بعض الناس قول الله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]
قال: نعم، كل مصيبة وبلاء إنما يقع بذنب. فإذا قرأ قوله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» احتار، وقال: معنى هذا أن الأنبياء والصالحين أشد الناس ذنوبًا!
وبعض الناس يدخل عليه سوء الظن بالله تعالى، فتسمعه يقول عند المصيبة: لماذا يفعل الله بي هذا وأنا لم أفعل شيئًا؟! والحقيقة أن هذا كله بسبب الخلط بين النصوص الشرعية، وعدم التفريق بين الابتلاء والعقوبة والانتقام.
فلا بد أن تعلم أولًا أن البلاء لا يلزم أن يكون بسبب معصية العبد وتقصيره وبعده عن الله تعالى؛ إذ لو كان كل بلاء جزاءً على تقصير، لكان القياس أن يكون أشد الناس بلاءً الكفرة والمشركين والمنافقين!
مفتاح فهم المسألة
يزول هذا الإشكال بإذن الله إذا نظرنا إلى المسألة من جهتين:
الجهة الأولى: أن نفرّق بين حال المؤمنين وحال الكفار في الدنيا. فالمؤمنون لا بد لهم من الابتلاء؛ لأنهم مؤمنون قبل أن يكونوا شيئًا آخر، فهذا خاص بهم، قال تعالى:
﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 1–2]
الجهة الثانية: أنه لا انفصال بين الجزاء في الدنيا والجزاء في الآخرة. فما يقع على المؤمنين من البلاء والمصائب في الدنيا هو بما كسبت أيديهم من جهة، وبحسب منازلهم عند الله في الآخرة من جهة ثانية؛ فمنهم من يُجزى بكل ما اكتسب من الذنوب في الدنيا حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة، وهذا أرفع منزلة ممن يلقى الله بذنوبه وخطاياه. ولهذا اشتد البلاء على الأنبياء، ثم الصالحين، ثم الأمثل فالأمثل؛ لأنهم أكرم على الله من غيرهم.
وليس الكفار كذلك؛ فإنهم ليس لهم في الآخرة إلا النار، فلا أجور تُضاعف، ولا درجات تُرفع، ولا سيئات تُكفّر.
الفرق الأول: من حيث زمن الوقوع
الابتلاء يكون في الدنيا التي هي دار الابتلاء، أما العقاب فيكون في الدنيا، وفي الدار الوسطى (البرزخ والقبور)، وفي الآخرة. ومثال ذلك ما قصّه الله عن فرعون وجنوده:
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 39–42]
وعن وقوع العقاب في البرزخ قال تعالى:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]
الفرق الثاني: من حيث السبب والباعث
الابتلاء يكون لاختبار حال الإنسان أو لرفع درجته، أما العقاب فلا يكون إلا جزاءً على الذنب. فأما كون البلاء اختبارًا فكما في قوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]
وأما العقاب فلا يكون إلا بذنب:
عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ»، وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
حسّنه الألباني في صحيح الجامع (7732)
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا اخْتَلَجَ عِرْقٌ وَلَا عَيْنٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ».
صحيح الجامع (5521)
وأخرج الزبير بن بكار في «الأنساب» أن العباس رضي الله عنه لما استسقى به عمر قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يُكشف إلا بتوبة».
ومن صور العقاب على الذنوب: زوال النعم، ونزول العذاب والدمار، فاقرأ بتأمل قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، وقول الله تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]
الفرق الثالث: كل عقوبة بلاء، وليس كل بلاء عقوبة
فالعقوبة من حيث الوقوع أعم، فإنها تصيب المؤمن والكافر، والبلاء من حيث الثواب أخص، فإنه يُجازى به المؤمن بالحسنات وتكفير السيئات ورفع الدرجات.
فقد سمّى الله تعالى ما أنزله بأصحاب الجنة في سورة القلم بلاءً، حين أحرق بستانهم ليلًا وهم في طريقهم لجني الحصاد، فقال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17]، وقد حُرموا منها بسبب عزمهم على حرمان الفقراء؛ فهي عقوبة سُمّيت بلاءً.
وليس كل بلاء عقوبة؛ بدليل أن الضر الذي نزل بأيوب عليه السلام لم يكن عقوبة، وإلا فما الذنب الذي اقترفه نبي الله حتى يقال: إن هذا الضر كان عقوبة له؟!
الفرق الرابع: الابتلاء عام، والعقاب خاص بأهل الذنوب
فالابتلاء يقع على المكلفين جميعًا، حتى الأنبياء والصالحين:
عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
صحيح الجامع (992)
أما العقاب فخاص بأهل الذنوب والمعاصي، قال تعالى:
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]
﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40]
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: 14–15]
الفرق الخامس: الابتلاء قرينة محبة الله للعبد، وليس كذلك العقاب
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ».
صحيح الترغيب والترهيب (3/ 331)
وفي رواية: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ».
صحيح البخاري (5645)
أما العقاب فهو انتقام من المعاندين، كما قال تعالى عن فرعون وقومه:
﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: 55–56]
الفرق السادس: الابتلاء يكون بالخير والشر، والعقوبة لا تكون إلا بما يُكره
فالابتلاء يكون بما يحبه المرء وبما يكرهه، قال تعالى:
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]
أي: اختبرناهم بالخصب والعافية، وبالجدب والشدة. وقال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]
والبلاء والابتلاء بمعنى واحد: الاختبار والامتحان، كما قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، إلا أن «ابتلى» آكد لزيادة مبناها، والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى.
ومن أمثلة الابتلاء بما يُكره: أمر الله تعالى الخليل بذبح ولده إسماعيل، فلما استسلما لأمر الله فداه بذبح عظيم، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106]؛ فقد كان الأمر اختبارًا لم يُرد الله إنفاذه، فلما اجتاز الخليلان الاختبار رفع الله البلاء. ومنه كذلك ما أصاب المؤمنين يوم الأحزاب حين قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11].
ومن أمثلة الابتلاء بما يُحب: قول سليمان عليه السلام حين رأى عرش بلقيس مستقرًّا عنده: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. وقد جمع الله الأمرين في قوله:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15–16]
فسمّى التوسعة في الرزق والتضييق فيه كليهما ابتلاءً؛ والمطلوب الشكر عند السعة، والصبر عند الضيق:
عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
رواه مسلم
فالمؤمن المستقيم على الطاعة يعدّ ما يحصل له من ضيق الرزق ابتلاءً من الله، وبصبره عليه يعظم الله أجره، ويكون سعيدًا مع ذلك، وفي صحيح مسلم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ»، والكفاف: ما كان بقدر الحاجة لا يزيد عليها.
الفرق السابع: الابتلاء لرفع الدرجات، والعقوبة لتكفير السيئات
فالابتلاء يكون لرفع الدرجات ومضاعفة الأجور، والعقوبة تكفير للسيئات، وشتّان بين الأمرين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةُ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَمَا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ إِيَّاهَا».
صحيح الترغيب والترهيب (3/ 331)
وعن محمد بن خالد عن أبيه عن جده -وكانت له صحبة- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
صحيح لغيره — صحيح الترغيب والترهيب (3/ 332)
وأما كون العقوبة تكفيرًا للسيئات فدليله قوله تعالى:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
متفق عليه
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَك، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا! قال: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ». قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: «أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا».
رواه البخاري
وقد جمع هذا الحديث بين الأمرين: كون البلاء لرفع درجات الأنبياء والأولياء ومضاعفة أجورهم، وكونه لمن دونهم تكفيرًا لسيئاتهم.
الفرق الثامن: أثر كلٍّ منهما على المؤمن وغيره
وهذا فارق جوهري: فالمؤمن الصالح إذا ابتُلي عقل وتفكّر، وحاسب نفسه، وراجع ربه، وعلّق قلبه بالله تعالى؛ لأنه يعلم أنه وحده كاشف الضر:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]
بينما غير المؤمن لا يحاسب نفسه، ولا يراجع ربه، ولا يدري فيمَ أُصيب، ولا فيمَ عوفي، ولا ما الذي يجب عليه في الحالين.
عن سعيد بن وهب قال: دخلت مع سلمان على صديق له نعوده، فقال: «إن الله عز وجل إذا ابتلى عبده المؤمن بشيء من البلاء ثم عافاه، كان كفارة لما مضى، ومُستعتَبًا فيما بقي، وإن الفاجر إذا أصابه الله بشيء من البلاء ثم عافاه، كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه، لا يدري فيمَ عقلوه، ولا فيمَ أطلقوه».
شعب الإيمان للبيهقي (12/ 312)
ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالْأَرْزَةِ، لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً».
متفق عليه
والخامة: الغضّ الرطب من النبات أول ما ينبت، وتُفيّئها: تُميلها، وتعدلها: ترفعها، والأرزة: شجر صلب، وانجعافها: انقلاعها.
قال المهلب في شرح الحديث -فيما نقله ابن بطال-: إن المؤمن من حيث جاءه أمر الله انطاع له ولان ورضيه، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر، فإذا سكن البلاء عنه اعتدل قائمًا بالشكر، والكافر كالأرزة الصماء، لا يتفقده الله باختبار، بل يعافيه في دنياه ليعسر عليه في معاده، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه، فيكون موته أشد عذابًا عليه وأكثر ألمًا.
الخلاصة: جدول الفروق بين الابتلاء والعقوبة
| وجه الفرق | الابتلاء | العقوبة |
|---|---|---|
| زمن الوقوع | في الدنيا وحدها | في الدنيا والبرزخ والآخرة |
| السبب | اختبار العبد أو رفع درجته | لا يكون إلا جزاءً على ذنب |
| العموم والخصوص | يصيب المؤمنين حتى الأنبياء | خاص بأهل الذنوب والمعاصي |
| العلاقة بينهما | ليس كل بلاء عقوبة | كل عقوبة بلاء |
| الدلالة | قرينة محبة الله للعبد | انتقام من المعاندين |
| نوعه | بالخير والشر، بالمحبوب والمكروه | لا يكون إلا بما يُكره |
| الغاية | رفع الدرجات ومضاعفة الأجور | تكفير السيئات |
| الأثر | المؤمن يحاسب نفسه ويرجع إلى ربه | الغافل لا يدري فيمَ أصيب ولا فيمَ عوفي |
أسئلة شائعة
كيف أعرف أن ما أصابني ابتلاء أم عقوبة؟
لا يستطيع أحد أن يقطع بذلك في حق معيّن، لكن على المؤمن أن يحاسب نفسه ويتوب من ذنوبه، ويصبر ويحتسب؛ فإن كان ما أصابه عقوبة كان تكفيرًا، وإن كان ابتلاءً كان رفعة. ومن علامات الخير أن يزيده البلاء قربًا من الله وصبرًا ورضًا.
هل شدة البلاء دليل على كثرة الذنوب؟
لا، فأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ويُبتلى الرجل على حسب دينه، فقد يكون شدة البلاء دليل قوة الإيمان ورفعة المنزلة.
هل النعمة والسعة في الرزق ابتلاء؟
نعم، فالله يبتلي عباده بالخير كما يبتليهم بالشر، والمطلوب عند النعمة الشكر، كما قال سليمان عليه السلام: «ليبلوني أأشكر أم أكفر».


