
عرضت هذه المسألة للمسلمين حين أُغلقت المساجد في كثير من البلاد زمن جائحة كورونا (سنة 1441هـ / 2020م): إذا تعطلت الجمع والجماعات في المساجد، فهل يُشرع لأهل البيت أن يقيموا الجمعة في منازلهم بخطبة وركعتين؟ أم يصلونها ظهرًا أربعًا؟ وهل إقامتها في البيوت بدعة؟

فضل يوم الجمعة ومنزلة صلاتها
«خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا».
أخرجه مسلم (854) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيمُ هذا اليوم وتشريفُه، وتخصيصُه بعبادات يختص بها عن غيره… الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاونًا بها طبع الله على قلبه.
ابن القيم، زاد المعاد (1/ 364)
تحرير محل النزاع
اتفق العلماء على أن الجمعة فرض على كل مسلم ذكر حر مكلف مستوطن، وأن من عجز عن شهودها لعذر سقطت عنه. والخلاف إنما هو فيمن مُنع من إقامتها في المسجد: هل يقيمها حيث كان إذا اجتمع العدد، أم يصلي ظهرًا؟
القول الأول: تُصلّى ظهرًا في البيوت
وهو قول أكثر العلماء المعاصرين، وبه صدرت فتاوى أكثر الهيئات والمجامع الفقهية زمن الجائحة. ومن أدلتهم:
- أن الجمعة شعيرة عامة شُرعت للاجتماع العام في المسجد الجامع، ولم يُعرف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه أن تقام في البيوت مع إمكان الاجتماع العام.
- أن المعذور عن الجمعة -كالمريض والمسافر- يصلي ظهرًا، ومن مُنع منها بإغلاق المساجد معذور.
- أن من أهل العلم من يشترط لها إذن الإمام، أو المسجد الجامع، أو عددًا معينًا، كالأربعين عند الشافعية والحنابلة.
القول الثاني: تُقام الجمعة في البيوت إذا اجتمع العدد
وهو اختيار بعض العلماء، واختاره كاتب هذه السطور في الدرس المرئي المرفق. ومبناه على أمور:
أولًا: الشريعة جاءت بالتيسير وفعل المستطاع
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]
«فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
أخرجه البخاري (7288) ومسلم (1337)
وأما من كان عاجزًا عن شهودها مع الإمام فهذا أهلٌ أن يفعل ما يقدر عليه؛ فإن الشريعة فرّقت في المأمورات كلها بين القادر والعاجز؛ فالقادر عليها إذا لم يأتِ بشروطها لم يكن له فعلها، والعاجز إذا عجز عن بعض الشروط سقط عنه.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (24/ 185)
ثانيًا: الخلاف في العدد
نقل ابن حجر في فتح الباري (2/ 423) في العدد الذي تنعقد به الجمعة خمسة عشر قولًا، ومن الأقوال صحتها بثلاثة، وهو رواية عن أحمد، وقول الأوزاعي وأبي ثور، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن، واختاره ابن تيمية؛ لأن الثلاثة أقل الجمع الذي خاطبه الله بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]
«إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ».
أخرجه مسلم (672) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
ثالثًا: الخلاف في اشتراط المسجد
ولا يُشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان، ويجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء، وبهذا قال أبو حنيفة… ولأن الأصل عدم اشتراط ذلك، ولا نصَّ في اشتراطه، ولا معنى نص، فلا يُشترط.
ابن قدامة، المغني (2/ 246)
واستدلوا بأن أول جمعة جُمّعت في المدينة صلاها أسعد بن زرارة رضي الله عنه بالأنصار في «هَزْم النَّبِيت» في «نقيع الخَضِمات» (أخرجه أبو داود 1069)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (متفق عليه)، وبما رواه عبد الرزاق عن نافع: أن ابن عمر كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يُجمّعون فلا يعيب عليهم، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (2/ 380).
وهذا الشرط أيضًا لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلًا عن الشرطية… والحق أن هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه، وشعار من شعارات الإسلام، وصلاة من الصلوات، فمن زعم أنه يُعتبر فيها ما لا يُعتبر في غيرها من الصلوات لم يُسمع منه ذلك إلا بدليل.
الشوكاني، السيل الجرار (ص 182)
رابعًا: جواز تعدد الجمعة للحاجة
أجاز عامة أهل العلم تعدد الجمعة في البلد الواحد للحاجة، كسعة البلد وضيق المساجد، قالوا: فإقامتها في البيوت عند الضرورة أولى.
خامسًا: تحقيق مقاصد الشريعة بحسب القدرة
ومن ذلك ما رُوي من صلاة بعض السلف الجمعة منفردين أو في جماعات صغيرة حين أخّرها بعض أمراء بني أمية عن وقتها، وهو داخل تحت قاعدة: أداء العبادة بحسب القدرة والطاقة.
المناقشة والترجيح
القول الأول أحوط وعليه أكثر الفتاوى المعاصرة، والقول الثاني له وجه من النظر لمن لم يشترط العدد الكثير ولا المسجد الجامع ولا إذن الإمام. والمسألة اجتهادية، لا ينبغي فيها التبديع ولا التشنيع؛ ولذلك فإن وصف إقامة الجمعة في البيوت بالبدعة قول بعيد، كما أن الإنكار على من صلى ظهرًا اتباعًا لفتوى بلده لا وجه له.
من صلى ظهرًا في بيته أيام إغلاق المساجد فقد برئت ذمته بلا خلاف، والأولى للمسلم أن يتبع فتوى أهل العلم المعتبرين في بلده في النوازل العامة.
شاهد الدرس مرئيًّا
أسئلة شائعة
هل تجب الجمعة على من أُغلقت المساجد في بلده؟
لا تجب عليه في المسجد لعجزه عن ذلك، ويصلي ظهرًا عند أكثر العلماء، ويرى بعضهم مشروعية إقامتها في البيت إذا اجتمع العدد.
كم عدد من تنعقد بهم الجمعة؟
فيه خلاف كبير؛ فالأربعون عند الشافعية والحنابلة في المشهور، وأقل من ذلك عند غيرهم، واختار جماعة من المحققين صحتها بثلاثة.
هل صلاة الجمعة في البيت بدعة؟
لا يوصف بالبدعة ما قال به بعض أهل العلم باجتهاد معتبر في حال الضرورة، وإن كان الأكثرون على أنها تُصلّى ظهرًا.
الخلاصة
عند إغلاق المساجد اختلف العلماء: فأكثرهم على أن الجمعة تُصلّى ظهرًا في البيوت، ورأى آخرون جواز إقامتها في البيوت بخطبة وركعتين إذا اجتمع ثلاثة فأكثر؛ بناءً على عدم اشتراط العدد الكثير والمسجد. والمسألة اجتهادية، والمرجع في النوازل العامة فتوى أهل العلم في كل بلد.

