
يبحث الناس جميعًا عن السعادة وانشراح الصدر، فيطلبها أهل المادة في المال والمساكن والملابس والمتع، فلا يجدونها، بل يزدادون ضيقًا وقلقًا. أما المؤمن فيعلم أن انشراح الصدر نعمة يهبها الله لمن أطاعه، قال تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124].

انشراح الصدر مع شدة البلاء: نماذج
الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يرى انشراح صدره مع ما كان يقاسيه من الأذى، وكذلك سلف الأمة: فالإمام أحمد صبر في المحنة، ولم يُؤثر عنه ضجر ولا تأفف. وشيخ الإسلام ابن تيمية كان على ما ناله من السجن والأذى منشرح الصدر، وقد وصف تلميذه ابن القيم حاله فقال:
«وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها».
الوابل الصيب لابن القيم
السبب الأول: تحقيق التوحيد
التوحيد حق الله على العبيد، وهو أعظم أسباب انشراح الصدر؛ فإذا أيقن العبد أن الله وحده بيده النفع والضر، انصرف قلبه إليه، ولم يلتفت إلى ما سواه. أما المشرك فيعيش في ضيق وحرج؛ يرجو هذا ويخاف ذاك، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾».
رواه البخاري (4563)
قال ابن كثير في تفسير ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: «أي: ييسّره له، وينشّطه ويسهّله لذلك، فهذه علامات على الخير»، وقال ابن عباس: «يوسّع قلبه للتوحيد والإيمان به».
السبب الثاني: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم
فالمتّبع يعلم يقينًا أنه سلك سبيل خير البشر، وأن الله لن يخزيه ما دام على هذا الطريق، فيطمئن قلبه، ولا تتنازعه الأهواء والوساوس.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى». قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».
رواه البخاري (7280)
وقد كان الصحابة يطبّقون السنة مسلّمين منشرحة صدورهم:
- قال عمر رضي الله عنه وهو يقبّل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك» (متفق عليه).
- وقال رجل لابن عمر: نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر! فقال: «إن الله بعث إلينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل».
- وقال ابن مسعود: «اتّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم».
- وقال الإمام مالك: «السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».
السبب الثالث: ذكر الله تعالى
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».
رواه البخاري (6407)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه (رواه مسلم)، وأوصى رجلًا فقال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (رواه الترمذي).
- قال ابن تيمية: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟».
- وشكا رجل إلى الحسن البصري قسوة قلبه، فقال: «أذِبْه بالذكر».
- وقد ذكر ابن القيم في «الوابل الصيب» نحو سبعين فائدة من فوائد الذكر.
السبب الرابع: قراءة القرآن بالتدبر
القرآن شفاء لما في الصدور، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا». فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا».
رواه أحمد (3712) وابن حبان
السبب الخامس: الرضا بقضاء الله وقدره
إذا أيقن العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، انشرح صدره واطمأن قلبه؛ ففي البلاء الصبر، وفي النعمة الشكر، وفي الذنب الاستغفار.
ولما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ».
رواه البخاري (1303)
وقال عبادة بن الصامت لابنه: «يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك».
رواه أبو داود (4700)
وقال ابن القيم: «والصبر: حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه… فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا».
السبب السادس: ترك المعاصي
المعاصي تُفسد القلوب، وتورث الذل والضيق، قال ابن القيم: «إن الذنوب جراحات، ورُبّ جرح وقع في مقتل»، وعدّ من نتائج المعصية: «قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ومحق البركة، وحرمان العلم، ولباس الذل، وضيق الصدر، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة».
- قال ميمون بن مهران: «ذكر الله باللسان حسن، وأفضل منه أن تذكر الله عند المعصية فتمسك عنها».
- وقال: «أعمال البر يعملها البر والفاجر، وأما ترك المعاصي فلا يقوى عليه إلا صدّيق».
- وقال ابن مسعود: «إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها».
- وقال سلمة بن دينار: «لا تكن وليًّا لله في العلانية، وعدوه في السر».
السبب السابع: المحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ…».
رواه البخاري (6502)
ومن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته. وقد كان السلف أشد الناس مسارعة إلى الخيرات:
- قال سعيد بن المسيب: «ما أذّن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد».
- وقال وكيع: «كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى».
- وكان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبّة على مقلى، ويقول: «اللهم إن النار قد منعتني النوم»، ثم يقوم إلى الصلاة.
- وقال الأوزاعي: «من أطال قيام الليل هوّن الله عليه وقوف يوم القيامة».
السبب الثامن: مجالسة الصالحين
فالجلوس معهم مرضاة للرحمن، مسخطة للشيطان، يُستأنس بحديثهم، ويُنتفع بنصحهم. قال جعفر بن سليمان: «كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة».
السبب التاسع: كثرة الدعاء
قال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: 25–26]، ولا يستغني عن هذا الدعاء أحد، ولا سيما طالب العلم والداعية.
أسباب أخرى ذكرها ابن القيم في «زاد المعاد»
السبب العاشر: العلم النافع
«فإنه يشرح الصدر ويوسّعه حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس… وليس هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو العلم النافع؛ فأهله أشرح الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا».
السبب الحادي عشر: الإحسان إلى الخلق
«فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأعظمهم همًّا وغمًّا». وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا للبخيل والمتصدق كرجلين عليهما جُنّتان من حديد؛ كلما همّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، وكلما همّ البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها.
السبب الثاني عشر: تطهير القلب وترك الفضول
«ومن أعظمها: إخراج دَغَل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه… ومنها: ترك فضول النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم؛ فإن هذه الفضول تستحيل آلامًا وغمومًا وهمومًا في القلب، تحصره وتحبسه وتضيّقه».
زاد المعاد لابن القيم
الخلاصة
| السبب | دليله أو شاهده |
|---|---|
| التوحيد | ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ |
| اتباع السنة | «من أطاعني دخل الجنة» |
| الذكر | ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ |
| القرآن | «أن تجعل القرآن ربيع قلبي» |
| الرضا بالقدر | «ما أصابك لم يكن ليخطئك» |
| ترك المعاصي | «الذنوب جراحات» |
| الفرائض والنوافل | «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل» |
| مجالسة الصالحين | النظر إلى وجه محمد بن واسع |
| الدعاء | ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ |
| العلم النافع | «أهله أشرح الناس صدرًا» |
| الإحسان | مثل المتصدق والبخيل |
| تطهير القلب وترك الفضول | كلام ابن القيم في زاد المعاد |
اقرأ أيضًا: عشرة أسباب تعينك على ترك المعاصي — تسعة أسباب لسلامة الصدر


