
كثير من الناس يعلم حرمة المعصية، ويرغب في تركها، ثم يضعف أمام الشهوة فيقع فيها مرة بعد مرة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين» عشرة أسباب إذا تحققت في قلب العبد أعانته على الصبر عن المعاصي وتركها. وهذا تلخيص لها وترتيب، مع التعليق عليها.

السبب الأول: العلم بقبح المعصية ودناءتها
أن يعلم العبد قبح المعصية ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرّمها ونهى عنها صيانةً له وحمايةً من الدنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره. قال ابن القيم: وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يُعلَّق عليها وعيد بالعذاب.
السبب الثاني: الحياء من الله سبحانه
فإن العبد متى علم بنظر الله إليه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حيًّا حييًّا، استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ… أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى».
رواه الترمذي (2458)، وحسّنه الألباني
السبب الثالث: مراعاة نعم الله عليك
فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد؛ فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمة بحسب ذلك الذنب، فإن تاب رجعت إليه أو مثلها، وإن أصرّ لم ترجع، ولا تزال الذنوب تزيل النعم حتى تُسلب كلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. وأعظم النعم الإيمان، والكبائر كالزنا والسرقة وشرب الخمر تنقصه وتسلبه.
قال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحُرمت قيام الليل سنة. وقال آخر: أذنبت ذنبًا فحُرمت فهم القرآن.
فالمعاصي نار النعم، تأكلها كما تأكل النار الحطب.
السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه
وهذا يثبت بتصديق الله في وعده ووعيده، ويقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا، وبالاغترار بالله جهلًا.
السبب الخامس: محبة الله وهي أقوى الأسباب
فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية من ضعف المحبة. وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده. ويُروى في ذلك: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه.
قال ابن القيم: وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها الإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق… فما عمر القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه.
طريق الهجرتين
السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها
أن تكون النفس شريفة أبيّة، تأنف أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها، وتسوّي بينها وبين السفلة.
السبب السابع: العلم بسوء عاقبة المعصية
أن يقوى علمه بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها، ومن ذلك:
- سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه وحزنه.
- الضعف عن مقاومة العدو، والحيرة في الأمر.
- نسيان العلم أو ضعفه، وحرمان الفهم.
- موت القلب، فإن الذنوب تميت القلوب.
- الذل بعد العز، والخوف بعد الأمن، والوحشة بعد الأنس.
- زوال الطمأنينة بالله، واستبدالها بالطرد والبعد.
- الوقوع في بئر الحسرات؛ فكلما نال لذة نازعته نفسه إلى مثلها.
- الفقر بعد الغنى؛ فإن رأس مال العبد إيمانه، فإذا سُلب أصبح مفلسًا، إلا أن يعيده بالتوبة النصوح.
السبب الثامن: قصر الأمل
أن يعلم سرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو عازم على الخروج منها، أو كراكب استظل في ظل شجرة ثم راح وتركها؛ فهو حريص على ترك ما يثقل حمله ويضره، حريص على الانتقال بخير ما عنده. فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل. وانظر: إنه الموت.. حقيقة لا خيال.
السبب التاسع: مجانبة الفضول
أن يجتنب الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس؛ فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفًا، فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام. ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالته وفراغه؛ فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره.
السبب العاشر: ثبات شجرة الإيمان في القلب
وهو السبب الجامع لهذه الأسباب كلها؛ فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه: كلما قوي إيمانه تمّ صبره، وكلما ضعف ضعف صبره. ومن ظن أنه يقوى على ترك المعاصي بدون الإيمان الراسخ فقد غلط.
قال ابن القيم: فإذا قوي سراج الإيمان في القلب، وأضاءت جهاته كلها به، وأشرق نوره في أرجائه، سرى ذلك النور إلى الأعضاء، فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان، وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة، بل تفرح بدعوته حين يدعوها، كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته.
طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 275)
الخلاصة
| السبب | خلاصته |
|---|---|
| العلم بقبح المعصية | الله حرّمها حماية لك كما يحمي الوالد ولده |
| الحياء من الله | استحضار نظره إليك واطلاعه عليك |
| مراعاة النعم | المعاصي تزيل النعم كما تأكل النار الحطب |
| الخوف | يقوى بالعلم واليقين بالوعيد |
| المحبة المقرونة بالتعظيم | أقوى الأسباب وأعلاها |
| شرف النفس | الأنفة من الدنايا |
| العلم بسوء العاقبة | ظلمة القلب، والذل، والوحشة، والحسرة |
| قصر الأمل | الدنيا ظل شجرة لا تدوم |
| مجانبة الفضول | الفراغ والشبع طريق المعصية |
| قوة الإيمان | السبب الجامع لكل ما سبق |
أسئلة شائعة
ما أقوى سبب لترك المعصية؟
محبة الله المقرونة بإجلاله وتعظيمه، ثم قوة الإيمان التي تجمع الأسباب كلها.
لماذا أعود إلى المعصية بعد التوبة؟
غالبًا لضعف الإيمان، أو لبقاء أسباب المعصية ومداخلها، أو للفراغ والبطالة؛ فعلاج ذلك تقوية الإيمان، وقطع الأسباب، وملء الوقت بالنافع، وتجديد التوبة كلما عاد.
هل تؤثر المعاصي في الرزق والعلم؟
نعم، ذكر السلف أن المعصية تحرم العبد الطاعة والفهم، وقد تكون سببًا في زوال النعم ونقص البركة.


