
لا يكاد يمر أسبوع أو أكثر بقليل حتى يفجؤنا الموت بخطف أحد أحبابنا! نعم، الموت ليس ببعيد عنا، لكننا نغفل عنه، فيأبى إلا أن يوقظنا بنزوله ضيفًا على بيت من بيوت الأحباب أو الأصحاب.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما رأيت يقينًا أشبه بالشك من الموت؛ يوقن الناس به ثم لا يستعدون له!

الموت حق كتبه الله على كل نفس
قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يعني الموت.
رواه الترمذي (2307) والنسائي (1824) وابن ماجه (4258)، وصححه الألباني
وقفة مع سرعة الرحيل
لما مات أخ لي فاضل، تفكرت في مدة مرضه إلى موته، فإذا هي لا تتعدى شهورًا معدودة! ثم سرح فكري في عدد من أقاربي وأحبابي ماتوا بالمرض نفسه وفي المدة نفسها تقريبًا، ومنهم من لم يمهله المرض إلا أيامًا. واليوم يموت من شبابنا وأبنائنا وآبائنا وأمهاتنا… أحوال تتكرر، وحياة تنتهي، فما أسرع انتهاءها! رحمهم الله جميعًا، وأسكنهم الفردوس الأعلى.
بهذه السرعة العجيبة تنقطع الآمال وتتحطم الأحلام، بهذه السرعة تسكن الحركات، وتتوقف مشاريع الإنسان وإنجازاته، ونفارق الأهل والأولاد والأحباب، وكأننا لم نكن في الدنيا!
كان هؤلاء جميعًا في كمال عافيتهم يضحكون ويمرحون، ولوظائفهم يذهبون، وبأولادهم يأنسون، لهم آمال ومشاريع وأمنيات… ثم ماذا؟! شهور قليلة تقلّبهم بين الفحوصات والمستشفيات والأدوية، حتى بلغت الروح الحلقوم. حدثني بعضهم قبل موته بقليل فقال: والله حين يشتد بي المرض أشعر بآلام تتجاوز آلام الموت وسكراته! وأنا أرجو أن يكون ذلك في موازين حسناتهم، مكفّرًا لسيئاتهم، رافعًا لدرجاتهم، وهذا ظننا بربنا جل جلاله.
محاسبة النفس قبل الرحيل
وأنظر ورائي في سجلّ حافل بالذنوب والتقصير في جنب الله، والتكاسل عن طاعته:
وأنظر أمامي في ذلك السفر الطويل الذي سأقطعه: بلا زاد يبلّغ، ولا عافية تساعد، ولا صاحب يؤنس، ولا ولد يعاون؛ سفر جِدّ لا هزل فيه. وأتأمل ما بعد الموت من أهوال: السكرات، والقبر، والبعث، والحشر، والوقوف في عرصات القيامة، والقدوم على الله، والميزان، والصراط!
ثم أتفكر في أهلي وأولادي من بعدي: من يحنو عليهم؟ من يقضي حاجتهم ويرشدهم ويعلّمهم؟ ومن يكفكف دموعهم؟ ثم في كل حبيب يواري جسدي بيده، يودعني الوداع الأخير، ولسان حالي ما قاله مالك بن الريب:
سيأتي يوم…
- سيأتي يوم لا تسمع فيه أذنك الأذان، ولا تسعى قدمك إلى المساجد.
- سيأتي يوم يسكت فيه لسانك عن ذكر الله، وتُطوى فيه صحائف حسناتك.
- سيأتي يوم تندم فيه على كل ساعة مرت بك من غير ذكر الله.
- سيأتي يوم تندم فيه أنك لم تقدّم شيئًا يبقى أثره بعد موتك.
- سيأتي يوم تتناول فيه الدواء فلا ينفع، والمسكنات فلا تُسكّن.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 99–100].
الموت أقرب إلينا من شراك النعل
عجيب أن نرى أحبابنا يتساقطون كل يوم ولا نعتبر، وأن نحمل كل يوم جنازة أحدهم ثم ننسى أن الدور قادم علينا!
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ».
رواه البخاري (6488)
فسهم الموت قد انطلق نحو كل واحد منا، لكن متى يصل؟ لا يعلم ذلك إلا الله. والسعيد من وُعظ بغيره، والشقي من كان عظة لغيره.
كيف نستعد للموت؟
- التوبة النصوح من الذنوب كلها، وعدم تأخيرها. وانظر: شروط التوبة الصحيحة.
- رد المظالم إلى أهلها، وكتابة الوصية وما للمرء وما عليه.
- المحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل. وانظر: فوائد النوافل.
- الإكثار من ذكر الموت وزيارة القبور، فإنها تذكّر الآخرة.
- قِصَر الأمل وترك التسويف.
- ترك أثر صالح يبقى بعد الموت: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
- حسن الظن بالله والدعاء بحسن الخاتمة.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
رواه البخاري (6416)
صفحة جديدة مع الله
تعال أيها الحبيب نفتح صفحة جديدة مع الله، نخطّ فيها بأيدينا ما نحب أن نقرأه غدًا على رؤوس الأشهاد، يوم يقال لكل منا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].
يا رب ارزقنا قبل الموت توبة، ولا تأخذنا على غِرّة ونحن غارقون في غفلتنا وذنوبنا. اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك فيه. اللهم إنا نعوذ بك من صباح مساؤه إلى النار، ومن ليلة صباحها إلى النار، وأجرنا برحمتك من الخزي والعار، وأسكنّا في جوار الأبرار، في الفردوس الأعلى مع النبي المختار، وأزواجه الأطهار، وأصحابه الأخيار من المهاجرين والأنصار، وأنزل رحماتك على قبور أحبابنا وأهلينا، ما اختلف الليل والنهار، برحمتك يا رحيم يا غفار.
أسئلة شائعة
هل يُستحب تذكر الموت؟
نعم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر «هاذم اللذات»، لأن ذكره يرقق القلب، ويزهّد في الدنيا، ويبعث على العمل للآخرة.
هل تمني الموت جائز؟
لا يجوز تمني الموت لضر نزل بالإنسان، فإن كان لا بد فليقل: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه.
ما علامات حسن الخاتمة؟
من علاماتها: النطق بالشهادة عند الموت، والموت على عمل صالح، والموت شهيدًا أو بمرض البطن أو غيرها مما ورد في الأحاديث.


