
لا يسلم أحد من أذى الناس، قولًا أو فعلًا؛ فالمؤمن بين أذى يصيبه، وظلم يقع عليه، وكلمة جارحة تبلغه. والنفس بطبعها تميل إلى الانتقام والمقابلة، لكن الصبر والعفو أرفع درجة وأعظم أجرًا. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أربع عشرة قاعدة تعين العبد على الصبر على أذى الخلق، وهذا بيانها مرتبة مع أدلتها.
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]

1. شهود أن الله خالق أفعال العباد
أن يشهد أن الله خالق أفعال العباد، حركاتهم وسكناتهم وإراداتهم؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في الكون ذرة إلا بإذنه. قال شيخ الإسلام: فانظر إلى الذي سلّطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك، تسترح من الهم والغم.
2. شهود ذنوبه وأنها سبب التسليط
أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلّطهم عليه بسببها: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]؛ فإذا شهد ذلك اشتغل بالتوبة والاستغفار عن ذمّهم ولومهم والوقيعة فيهم.
3. شهود حسن الثواب لمن عفا
أن يشهد الثواب العظيم الذي وعده الله لمن عفا وصبر: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
4. سلامة القلب بالعفو
أن يعلم أنه إذا عفا وأحسن أورثه ذلك سلامة القلب لإخوانه، ونقاءه من الغش والغل وطلب الانتقام وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد على لذة الانتقام أضعافًا مضاعفة. وانظر: تسعة أسباب لسلامة الصدر.
5. العفو يورث العز والانتقام يورث الذل
ما انتقم أحد لنفسه إلا أورثه ذلك ذلًّا يجده في نفسه، فإذا عفا أعزه الله.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».
رواه مسلم (2588)
6. الجزاء من جنس العمل
وهي من أعظم الفوائد: أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل، وأنه هو نفسه ظالم مذنب، وأن من عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن غفر لهم غفر الله له: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. قال شيخ الإسلام: ويكفي العاقل هذه الفائدة.
7. الانتقام يضيّع الوقت ويفرّق القلب
إذا اشتغلت نفسه بالانتقام وطلب المقابلة ضاع عليه زمانه، وتفرّق عليه قلبه، وفاته من مصالحه ما لا يمكن استدراكه، وربما كان ذلك أعظم عليه من المصيبة التي نالته منهم.
8. الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ».
متفق عليه: البخاري (3560) ومسلم (2327)
فإذا كان خير خلق الله وأكرمهم عليه لم ينتقم لنفسه، مع أن أذاه أذى لله، فكيف ينتقم أحدنا لنفسه التي هو أعلم بها وبما فيها من العيوب؟!
9. شهود معية الله ومحبته للصابرين
أن يشهد معية الله له إذا صبر، ومحبته له ورضاه؛ ومن كان الله معه دفع عنه من الأذى ما لا يدفعه عنه أحد من خلقه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
10. الصبر يحوّل العدو إلى صديق
صبره على من آذاه يوجب رجوع خصمه عن ظلمه، وندامته واعتذاره، ولوم الناس له، فيعود مستحييًا نادمًا، بل ربما صار له وليًّا:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34–35]
11. الانتقام قد يزيد شر الخصم
ربما كان الانتقام سببًا لزيادة شر خصمه وتفننه في أنواع الأذى، فإذا صبر وعفا أمن ذلك، والعاقل لا يختار أعظم الضررين لدفع أدناهما. وكم جلب الانتقام من شر عجز صاحبه عن دفعه، وكم ذهبت نفوس وأموال ومناصب لو عفا المظلوم لبقيت!
12. المنتقم لا يسلم من الظلم
من اعتاد الانتقام لا بد أن يقع في الظلم؛ لأن النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها، والغضب يخرج بصاحبه إلى حد لا يعقل ما يقول ويفعل، فبينما هو مظلوم ينتظر النصر، إذ انقلب ظالمًا ينتظر المقت والعقوبة.
13. المظلمة تكفير للسيئات ورفع للدرجات
هذه المظلمة التي وقعت عليه سبب إما لتكفير سيئته أو رفع درجته، فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفرة لسيئته ولا رافعة لدرجته. وانظر: الفروق بين الابتلاء والعقوبة.
14. الحسنة تجر الحسنة
إذا عفا وصفح كانت حسنة تولّد له حسنة أخرى، وتلك تولّد أخرى، فلا تزال حسناته في مزيد؛ فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كما أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وربما كان ذلك سببًا لنجاته وسعادته الأبدية.
المصدر: جامع المسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/168–174) باختصار وتصرف يسير.
هل العفو واجب دائمًا؟
العفو مندوب إليه ما دام فيه إصلاح، أما إذا كان العفو يزيد الظالم تماديًا ويغريه بالعدوان، فالانتصار بالحق مشروع، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]؛ فقيّد العفو بالإصلاح. وحقوق الله وحرماته لا يُعفى عنها، بل يُغضب لها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.
الخلاصة
- انظر إلى من سلّطهم عليك، لا إلى فعلهم بك.
- ذنوبك سبب تسليطهم، فاشتغل بالتوبة.
- للعافين أجر عظيم على الله.
- العفو يورث سلامة القلب وحلاوة الإيمان.
- العفو عزّ، والانتقام ذلّ.
- من عفا عفا الله عنه.
- الانتقام يضيع الوقت ويفرق القلب.
- النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقم لنفسه قط.
- الله مع الصابرين ويحبهم.
- الإحسان يحوّل العدو صديقًا.
- الانتقام قد يضاعف الشر.
- المنتقم يقع غالبًا في الظلم.
- المظلمة كفارة ورفعة لمن صبر.
- العفو حسنة تولّد الحسنات.
أسئلة شائعة
هل يجوز الدعاء على الظالم؟
يجوز للمظلوم أن يدعو على من ظلمه بقدر مظلمته، والعفو والصبر أفضل، وقد مدح الله العافين عن الناس.
كيف أتخلص من التفكير فيمن ظلمني؟
بتذكر هذه القواعد، والانشغال بالنافع، والدعاء بسلامة الصدر، وتفويض الأمر إلى الله، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.
هل العفو يعني السكوت عن الحق؟
لا، العفو ترك الانتقام للنفس، أما حقوق الله والمصالح العامة فيُنكر فيها المنكر ويُطالب بالحق.


