
منذ نزل القرآن الكريم وقف الناس منه موقفين: أكثر الكفار عارضوه ورموه بما ليس فيه، وقلّة منهم أنصفوه وشهدوا بعظمته. وفي هذا المقال نعرض مزاعم المكذّبين كما حكاها القرآن نفسه، ثم شهادات بعض المنصفين، مع التنبيه على ما يُتداول من أقوال لا تثبت عن أصحابها.

أولًا: مزاعم المكذّبين كما حكاها القرآن
قال الكفار عن القرآن أقوالًا متعددة، حكاها القرآن نفسه، وهذا التعدد دليل على حيرتهم وتناقضهم؛ إذ لو كان عندهم وصف واحد صادق لثبتوا عليه:
| زعمهم | معناه | الآية |
|---|---|---|
| افتراه | اخترعه محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه | ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: 38]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: 33] |
| إفك أعانه عليه قوم آخرون | كذب ألّفه وساعده فيه غيره | ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4] |
| سحر | خداع وتمويه | ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 7] |
| أضغاث أحلام | تخاليط منامات | ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: 5] |
| أساطير الأولين | حكايات السابقين تُملى عليه | ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5] |
| قول البشر | كلام إنسان | ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25] |
الرد القرآني: التحدي
وقد ردّ الله عليهم جميعًا بالتحدي الذي لم يستطيعوه، مع أنهم أهل الفصاحة والبيان:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]
ثم تحدّاهم بعشر سور، ثم بسورة واحدة، فعجزوا، فكان عجزهم أعظم شاهد على أن القرآن كلام الله.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ثانيًا: شهادات المنصفين
غوته: الشاعر الألماني
كان الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته من أكثر الأدباء الغربيين إعجابًا بالقرآن، وظهر ذلك في ديوانه «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي»، وقد أعلن -كما نقلت الباحثة الألمانية كاتارينا مومزن في كتابها «غوته والإسلام»- أنه يعتزم أن يحتفل في خشوع بالليلة المقدسة التي أُنزل فيها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم.
جيمس جينز والمشرقي
يذكر العالم الهندي عناية الله المشرقي أنه زار العالم الفلكي الإنجليزي السير جيمس جينز، فحدّثه عن خشية العلماء لله حين يتأملون عظمة الكون، فتلا عليه المشرقي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فتعجّب جينز وقال: إن هذا أمر لم أتوصّل إليه إلا بعد دراسة طويلة، فمن علّم محمدًا هذا؟!
مايكل هارت
اختار المؤرخ الأمريكي مايكل هارت في كتابه «الخالدون مئة» النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى بين أعظم الشخصيات تأثيرًا في التاريخ، وعلّل ذلك بأنه الوحيد الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستويين الديني والدنيوي.
دليل من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
ومن الأدلة التي يذكرها أهل العلم على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلّغ عن ربه: أنه كان يُحرس، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] صرف حرّاسه وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» رواه الترمذي (3046). والمرء لا يكذب على نفسه، فلو لم يكن واثقًا أن القرآن من عند الله ما عرّض نفسه للقتل.
تنبيه على الأقوال المكذوبة
يُتداول على المواقع أقوال كثيرة منسوبة إلى أدباء وعلماء غربيين في مدح القرآن (كتولستوي ورينان وكارليل وغيرهم) لا تثبت عنهم بألفاظها، بل بعضها يخالف ما عُرف من مواقفهم. فلا ينبغي نشرها إلا بعد التوثق من مصادرها، والقرآن غنيّ بنفسه عن شهادة أحد، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 19].
الخلاصة
- تعددت مزاعم المشركين في القرآن: افتراء، وإفك، وسحر، وأضغاث أحلام، وأساطير، وقول بشر، وتناقضها دليل حيرتهم.
- تحدّاهم القرآن أن يأتوا بمثله أو بسورة منه فعجزوا.
- أنصف القرآنَ بعضُ العلماء والأدباء من غير المسلمين، كغوته.
- يجب التثبت مما يُنسب إلى المشاهير من أقوال، والقرآن غني عن شهادة الناس.
اقرأ أيضًا: الأسرة المسلمة والقرآن الكريم — تسع صور لنزول الوحي


