
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
أما بعد: فلا يخفى على مسلم أهمية تصحيح الاعتقاد، كما لا يخفى على عاقل أن أكثر الخلق غافلون عن قلوبهم، متهاونون في عقيدتهم، وهنا يكمن الخطر؛ حيث يخلص الشيطان إلى عقيدة المسلم فيفسدها وهو لا يشعر، فيمتلئ قلبه بالعقائد الفاسدة التي قد تمحق إيمانه، وتحبط أعماله الصالحة:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: 39]

وهذه السلسلة تناقش مسألة من أهم مسائل الدين: الكفر الاعتقادي وأنواعه وأحكامه؛ فإن أعمال القلوب أساس الإيمان وأصله الذي يُبنى عليه، فمن فسد معتقده فسد عمله، وعلى حسب قوة القلب وعبوديته تكون قوة الأعمال وصلاحها:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 24–25]
لماذا كان الشرك الاعتقادي أخطر أنواع الشرك؟
للشرك ثلاثة أنواع: اعتقادي، وقولي، وعملي، وأخطرها الاعتقادي لتعلقه بالقلب، والقلب أخطر الجوارح لأسباب، منها:
1. القلب ملك الجوارح
فباستقامته تستقيم، وبعوجه تعوج، وبصحته تقوى، وبمرضه تضعف، وبموته تموت ويصير عملها هباءً:
«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفق عليه: البخاري (52)، ومسلم (1599)
2. القلب لا مُستكرِه له
الإكراه يقع على الجوارح، ولا يُتصوّر أن يقع على القلب؛ فالإيمان إيمان القلب ابتداءً، والكفر كفر القلب ابتداءً:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106]
الكفر يقع بالقلب وباللسان وبالجوارح، مجتمعة أو منفردة، بإجماع السلف كما سيأتي في الجزء الثالث، والمقصود هنا أن أصل الكفر وأصل الإيمان في القلب، وأن اللسان والجوارح قد يقعان في الكفر إكراهًا والقلب مطمئن بالإيمان.
3. القلب لا يتعب ولا يملّ
بخلاف الجوارح التي يدركها الملل والتعب، ولذلك خُفف عنها في عباداتها، وأما القلب فعبوديته دائمة.
4. في القلب أصل الهدى والضلال
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]
فالقلب يجتمع فيه الحب والبغض، والولاء والبراء، والإقبال والإدبار، بل قد يجتمع فيه توحيد وشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]؛ فقد يعتقد العبد أن الله هو الخالق الرازق المدبر، ثم يعتقد أن بعض المخلوقات -كالنجوم أو الجن أو أصحاب القبور- تملك النفع والضر من دون الله، وهذا شرك في الربوبية يغترّ به كثير من الناس.
5. يكفر العبد بانتفاء أصل واحد من أصول الإيمان
فلا يلزم أن تجتمع في العبد نواقض الإيمان كلها، بل يكفي ناقض واحد ليخرج من الإيمان.
منزلة أعمال القلوب في الدين
أمهات العبادات قلبية
جعل الله أعمال القلوب أصول العبادات، ولو نظرنا إلى شروط «لا إله إلا الله» السبعة -العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة- لوجدنا أكثرها أعمالًا قلبية في الأصل، ولا بد من الإتيان بلوازمها من الأعمال والتروك.
أصول الإيمان في القلب
فإذا خلا القلب عن أصل من أصول الإيمان دلّ ذلك على انتفاء الإيمان، ومثاله كفر إبليس؛ فإنه لما ترك السجود إباءً واستكبارًا انتفى عنه شرط القبول القلبي، فانتفى عنه الإيمان:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
مضاعفة الثواب وتعظيم الإثم بعمل القلب
عمل الجوارح تابع لعمل القلب قوة وضعفًا، فرُبّ عمل عظيم صغّره عمل القلب، ورُبّ عمل يسير عظّمه عمل القلب. قال ابن القيم في المفاضلة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما:
إذا حُرّر محل التفضيل لم يستقم الخلاف؛ لأنه إن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله فذلك أمر لا يُطّلع عليه إلا بالنص؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه، والآخر أرفع درجة منه في الجنة.
ابن القيم، بدائع الفوائد (3/ 682)
«غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ».
متفق عليه: البخاري (3321)، ومسلم (2245)
فقد اجتمع في قلبها من الرحمة والشفقة على هذا الحيوان، بلا انتظار شكر ولا ثناء، ما عظّم هذا العمل اليسير، والجزاء من جنس العمل.
«عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».
متفق عليه: البخاري (3482)، ومسلم (2242)
فقد اجتمع مع فعلها قسوة القلب ونزع الرحمة، فكان سببًا في دخولها النار.
باب الاعتقاد أوسع من باب الأعمال
يجتمع مع العمل الواحد للجوارح أعمال كثيرة للقلب؛ فالصيام مثلًا يجتمع معه الإخلاص والمحبة واليقين والقبول والصدق والامتثال والخشية والرجاء.
عمل القلب دائم وعمل الجوارح مؤقت
الصلاة تأخذ وقتها وتنتهي، وكذا الصيام والحج والزكاة، أما عمل القلب فلا ينقطع: فالعزم على الطاعة والامتثال والقبول والإخلاص سابق للعمل ولاحق له؛ ولذلك يأثم العبد إذا لم يكن عنده عزم قلبي على أداء الصلاة إذا دخل وقتها.
عمل القلب شرط لقبول عمل الجوارح
«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه: البخاري (1)، ومسلم (1907)
وأما أعمال القلوب فلا بد أن يأتي العبد بلوازمها من أعمال الجوارح وأقوال اللسان، وقد يكون منها ما هو اعتقادي محض، كالإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب السابقة في أصلها قبل تحريفها.
الشرك في الإرادات والنيات
قال ابن القيم رحمه الله:
وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه؛ فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يُخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام.
ابن القيم، الجواب الكافي (ص 94)
ومن هنا جاءت أهمية هذه السلسلة؛ إذ موضوعها تصحيح الاعتقاد، وتحذير العبد من الشركيات القلبية ونواقض الإيمان الاعتقادية، مع بيان الضوابط الشرعية التي تعصم من الغلو في التكفير.
سلسلة: الكفر الاعتقادي أنواعه وأحكامه
هذا المقال هو الجزء الأول من السلسلة، وهذه أجزاؤها:
- مقدمة: أهمية باب الاعتقاد وأعمال القلوب (هذا المقال)
- تعريف الإيمان عند أهل السنة
- بأي شيء يقع الكفر؟
- الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر
- خطورة التكفير وضوابطه
- أحوال الناس في التكفير: طرفان ووسط
الخلاصة
أعمال القلوب أصل الإيمان وأساسه، وبها يُقبل العمل ويُضاعَف، وبفسادها يفسد، ولذلك كان الكفر والشرك الاعتقادي أخطر أنواع الكفر، وكان تعلّم هذا الباب من أوجب الواجبات.


