
لا يمكن فهم الكفر ونواقض الإيمان إلا بعد معرفة حقيقة الإيمان نفسه؛ فالكفر ضد الإيمان، وبضدها تتميز الأشياء. وفي هذا الجزء الثاني من السلسلة نعرض تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

خلاصة تعريف الإيمان
تعددت عبارات السلف في تعريف الإيمان، وهي لا تخرج عن أنه: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
فقد اتفق أئمة أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، يزيد بالطاعة وكثرة العبادة، وينقص بالمعصية والغفلة وترك الطاعة. وحكى الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم، حتى صار هذا القول من سمات أهل السنة والجماعة، والفارقَ بينهم وبين أهل البدع.
أقوال أئمة السلف في الإيمان
قال الإمام الأوزاعي: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا لا يفرّقون بين الإيمان والعمل؛ العمل من الإيمان، والإيمان من العمل… فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدّق ذلك بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يُقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين.
اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/ 955–956)
وقال الفضيل بن عياض: الإيمان عندنا داخله وخارجه: الإقرار باللسان، والقول بالقلب، والعمل به.
المصدر السابق (5/ 1030)
وقال أبو ثور: الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
المصدر السابق (4/ 932)
وقال الإمام الشافعي: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾.
أبو نعيم، حلية الأولياء (9/ 115)
وقال أيضًا: كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر.
اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/ 956)
وقال الإمام الحميدي: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة.
الحميدي، أصول السنة
وقال الإمام البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
ابن حجر، فتح الباري (1/ 47)، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/ 959)
وفي «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (1/ 130) عن الإمام أحمد حكاية إجماع جماعة كبيرة من التابعين وأئمة السلف وفقهاء الأمصار على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
توجيه ابن تيمية لتنوع عبارات السلف
ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان؛ فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح… والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يُفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يُفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلا باتباع السنة… ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل.
والذين جعلوه أربعة أقسام فسّروا مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (7/ 170–171)
عناصر الإيمان في جدول
| الركن | معناه | مثاله |
|---|---|---|
| قول القلب | تصديقه ويقينه | الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله |
| عمل القلب | حركته وإرادته | الإخلاص والمحبة والخوف والرجاء والتوكل |
| قول اللسان | النطق والإقرار | الشهادتان، والذكر، وقراءة القرآن |
| عمل الجوارح | الطاعات الظاهرة | الصلاة والزكاة والصيام والحج |
وانظر أيضًا: الإيمان المجمل والإيمان المفصل.
سلسلة: الكفر الاعتقادي أنواعه وأحكامه
هذا المقال هو الجزء الثاني من السلسلة، وهذه أجزاؤها:
- مقدمة: أهمية باب الاعتقاد وأعمال القلوب
- تعريف الإيمان عند أهل السنة (هذا المقال)
- بأي شيء يقع الكفر؟
- الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر
- خطورة التكفير وضوابطه
- أحوال الناس في التكفير: طرفان ووسط
أسئلة شائعة
هل العمل داخل في مسمى الإيمان؟
نعم، عند أهل السنة والجماعة: الإيمان قول وعمل، خلافًا للمرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان.
هل يزيد الإيمان وينقص؟
نعم، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو إجماع السلف كما حكاه الشافعي والبخاري وغيرهما.
الخلاصة
الإيمان عند أهل السنة: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتنوع عبارات السلف في تعريفه تنوع لفظي يرجع إلى معنى واحد.
انظر هذه النقول مجموعة في: «الإيمان: حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة» لعبد الله بن عبد الحميد الأثري.


