
شهر شعبان شهر يغفل عنه كثير من الناس بين رجب ورمضان، وهو ميدان الاستعداد لشهر الصيام والقيام، ومقدمة يتدرب فيها المسلم على الطاعة قبل موسمها الأعظم. وفي هذا المقال عشرة أعمال ينبغي للمسلم أن يقوم بها في شعبان، مع ما يتعلق بها من أحكام.
الأول: الدعاء ببلوغ رمضان
من السنن الحسنة أن يسأل المسلم ربه أن يبلغه رمضان، وأن يعينه فيه على الصيام والقيام. ويروى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان»، وهو حديث ضعيف الإسناد، لكن الدعاء ببلوغ رمضان مشروع في نفسه، وعليه عمل السلف.
قال معلّى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبّل منهم. وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: «اللهم سلّمني إلى رمضان، وسلّم لي رمضان، وتسلّمه مني متقبَّلًا».
لطائف المعارف لابن رجب
الثاني: المبادرة إلى قضاء ما عليك من الصوم
من كان عليه صوم واجب -كقضاء رمضان، أو صيام كفارة يمين، أو نذر- فليبادر إلى قضائه قبل دخول رمضان؛ فإن شعبان آخر وقت لقضاء رمضان الماضي.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»، قال يحيى: الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم.
متفق عليه: البخاري (1950) ومسلم (1146)
ماذا لو دخل رمضان ولم يقضِ ما عليه؟
اتفق أهل العلم على وجوب القضاء عليه بعد رمضان الجديد، واختلفوا فيمن أخّر القضاء بغير عذر حتى دخل رمضان آخر: هل تلزمه كفارة مع القضاء؟ على قولين:
- عليه القضاء مع إطعام مسكين عن كل يوم، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، ومروي عن جماعة من الصحابة.
- عليه القضاء فقط ولا إطعام، وهو قول أبي حنيفة، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
أما من أخّره لعذر -كمرض استمر به- فلا شيء عليه إلا القضاء.

الثالث: الإكثار من الصيام في شعبان
كان من هديه صلى الله عليه وسلم الإكثار من الصيام في شعبان أكثر من غيره من الشهور.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ».
متفق عليه: البخاري (1969) ومسلم (1156)
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ».
رواه الترمذي (736) والنسائي (2175)
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم سبب إكثاره من الصيام فيه لما سأله أسامة بن زيد رضي الله عنهما:
قال أسامة: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان! قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
رواه النسائي (2357)، وحسّنه الألباني
فالصيام في شعبان كالسنة الراتبة قبل الفريضة، تتدرب به النفس على الصيام فتدخل رمضان بقوة ونشاط. وقد ذهب بعض أهل العلم كابن رجب إلى أن صيام شعبان أفضل التطوع المطلق بعد صيام المحرم، لقربه من رمضان. وانظر: مواقيت رفع الأعمال إلى الله.
الرابع: توطين النفس على الطاعة قبل رمضان
للطاعة عادة، فإذا تعوّدها المسلم خرجت نفسه من كسلها وفتورها، فإذا جاء رمضان وجدها مستعدة.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه لصُبيح: «يا صبيح، تعوّد العبادة؛ فإن لها عادة».
وقال أبو بكر البلخي رحمه الله: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر السقي للزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع.
الخامس: ترك صيام التطوع بعد منتصف شعبان
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا».
رواه أبو داود (2337) والترمذي (738)، وفي تصحيحه خلاف بين أهل الحديث
والنهي عند من صححه للكراهة لا للتحريم، والصيام بعد منتصف شعبان له حالتان:
- أن يكون قضاءً لما فات من رمضان، أو كفارة، أو نذرًا، فهذا جائز بلا كراهة.
- أن يكون تطوعًا مطلقًا، فهذا مكروه عند من أخذ بالحديث، إلا أن يوافق عادة له كصيام الاثنين والخميس، أو يصله بما صامه في النصف الأول من الشهر.
والحكمة من ذلك ألا يضعف عن صيام رمضان، وألا تملّ نفسه الصيام قبل دخوله. وانظر: ثمانية أنواع من الصوم المحرم والمنهي عنه.
السادس: الحذر من صيام يوم الشك
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ».
متفق عليه: البخاري (1914) ومسلم (1082)
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
رواه أبو داود (2334) والترمذي (686)، وعلّقه البخاري
قال الحافظ ابن حجر: استُدل به على تحريم صوم يوم الشك؛ لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبيل المرفوع. (فتح الباري 4/120).
ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال ليلته بسبب غيم أو نحوه؛ وسمي بذلك لاحتمال أن يكون من شعبان أو من رمضان. فلا يجوز صيامه احتياطًا لرمضان، إلا لمن وافق عادة له. قال النووي: وأما إذا صامه تطوعًا، فإن كان له سبب -بأن كانت عادته صوم الدهر، أو صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه- جاز صومه بلا خلاف بين أصحابنا.
السابع: سلامة الصدر من الشحناء
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».
رواه ابن ماجه (1390)، وحسّنه الألباني بمجموع طرقه
فليحرص المسلم على تصفية قلبه من الشحناء والبغضاء لإخوانه قبل هذه الليلة، ليكون أهلًا لمغفرة الله.
تنبيه: لا تُخصّ ليلة النصف من شعبان بعبادة معينة
لا يجوز تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة مخصوصة، ولا يومها بصيام بعينه، ولا اتخاذها عيدًا تقام فيه الاحتفالات؛ إذ لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه فيما نعلم. وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب ابن دحية أن الإيقاد وكثرة المصابيح في هذه الليلة من محدثات المبتدعين، وأن أول ما حدث ذلك في زمن البرامكة، وأنه لم يصح فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نقله أبو شامة في «الباعث على إنكار البدع والحوادث»). وانظر: ستة ضوابط تعرف بها البدعة.
الثامن: التهنئة بقدوم رمضان
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ».
رواه النسائي (2106)
ففي هذا الحديث بشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقدوم رمضان، وهو أصل في التهنئة به.
التاسع: التوبة النصوح وكثرة الاستغفار
ليس شيء يُستعد به لرمضان أفضل من التوبة النصوح وكثرة الاستغفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8].
قال ابن القيم: قلت لشيخ الإسلام ابن تيمية يومًا: سُئل بعض أهل العلم: أيهما أنفع للعبد، التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًّا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي رحمه الله: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟!
الوابل الصيب
وانظر: شروط التوبة الصحيحة.
العاشر: الإكثار من العمل الصالح في وقت الغفلة
العمل الصالح يعظم أجره إذا كان في وقت غفلة الناس؛ ولهذا كان بعض السلف يستحب الصلاة بين المغرب والعشاء ويقول: هذه ساعة غفلة، وكان بعضهم يكثر الصدقة في عام القحط ويقول: هذا عام لا يتصدق فيه أحد.
وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في شعبان: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ»، ثم تأمل كيف يُرفع عملك فيه وأنت صائم في طاعة الله. وقد كان الضحاك بن مزاحم يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رُفع من عملي. وكان السلف يسمّون شعبان «شهر القرّاء» لإقبالهم فيه على قراءة القرآن.
أحداث وقعت في شهر شعبان
- تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، في السنة الثانية للهجرة على قول جماعة من أهل السير.
- زواج النبي صلى الله عليه وسلم من حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، في السنة الثالثة.
- غزوة بني المصطلق، في السنة الخامسة.
خلاصة أعمال شعبان
- الدعاء ببلوغ رمضان.
- قضاء ما فات من الصيام الواجب.
- الإكثار من صيام التطوع.
- التعود على الطاعة قبل رمضان.
- ترك التطوع المطلق بعد منتصف الشهر لغير صاحب عادة.
- اجتناب صيام يوم الشك.
- تصفية القلب من الشحناء قبل ليلة النصف.
- التهنئة بقدوم رمضان.
- التوبة النصوح وكثرة الاستغفار.
- الإكثار من العمل الصالح في زمن الغفلة.
أسئلة شائعة
هل يجوز قضاء رمضان بعد منتصف شعبان؟
نعم، يجوز بلا كراهة، بل يجب إذا لم يبق من شعبان إلا بقدر ما عليه من الأيام، والنهي عن الصيام بعد منتصف شعبان خاص بالتطوع المطلق.
هل ثبت فضل ليلة النصف من شعبان؟
ورد في فضلها حديث «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان» وحسّنه جماعة بمجموع طرقه، لكن لم يثبت تخصيصها بصلاة أو صيام أو احتفال.
هل يجوز صيام آخر يوم من شعبان؟
لا يجوز صيامه احتياطًا لرمضان إذا كان يوم شك، ويجوز لمن كانت له عادة صيام توافقه، أو لمن عليه قضاء أو نذر.


