
أعمال العباد لا تذهب سدى، بل تُحفظ وتُكتب وتُرفع إلى الله تعالى في مواقيت محددة جاءت بها السنة، ومعرفة هذه المواقيت تبعث في قلب المؤمن الحرص على أن يُرفع عمله وهو في أحسن حال. ومواقيت رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى أربعة أنواع: يومي، وأسبوعي، وسنوي، وختامي.
الأول: الرفع اليومي
ويكون في كل يوم مرتين: مرة بالليل ومرة بالنهار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».
رواه البخاري (555) ومسلم
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ».
رواه مسلم
قال المناوي: معناه يُرفع إليه عمل النهار في أول الليل الذي بعده، وعمل الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الحفظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل.
وفيه التنبيه على فائدة المسارعة بالتوبة والاستغفار قبل أن يُرفع العمل، وعلى عظم شأن صلاتي الفجر والعصر اللتين تجتمع فيهما الملائكة.
الثاني: الرفع الأسبوعي
ويكون مرتين في كل أسبوع: يوم الاثنين ويوم الخميس.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا -أَوِ ارْكُوا- هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا».
رواه مسلم
والمراد بالجمعة هنا: الأسبوع، و«اركوا» أي: أخّروا، و«يفيئا» أي: يرجعا إلى الصلح. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم هذين اليومين، وقال: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رواه الترمذي.
الثالث: الرفع السنوي
ويكون في شهر شعبان من كل عام:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان! قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
رواه أحمد (21753) والنسائي في الكبرى (2678)
فرفع الأعمال السنوي يكون في شهر شعبان، أما تقدير الأعمال والآجال والأرزاق للسنة فيكون في ليلة القدر، قال تعالى:
﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4]
الرابع: الرفع الختامي
ويكون بموت الإنسان، فحينئذ تُطوى صحائفه ويُختم عليها وتُرفع، فيُكتب كتابه في عليين إن كان من أهل الجنة، أو في سجين إن كان من أهل النار، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7]
وقال في الأبرار:
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18]
وهذه الصحف يكتبها أمناء من الملائكة، قال تعالى فيهم: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 11–12]، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
والعبد لا يُكتب عليه إلا ما عمل، ولا يُظلم في صغير ولا كبير، قال تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]
وهذا الكتاب الأخير هو الذي يُبعث عليه العبد، قال تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13–14]
وقد يُضاف إلى صحيفته بعد موته ما ليس من عمله المباشر؛ كصدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم. وقد يُمحى منها سيئات أيضًا؛ كأن يُعذّب في قبره فيُعفى عنه، أو يستغفر له المؤمنون.
كيف تستعد لرفع أعمالك؟
- حافظ على صلاتي الفجر والعصر في جماعة؛ فهما موعد اجتماع الملائكة وصعودهم بالأعمال.
- بادر بالتوبة والاستغفار قبل انقضاء الليل والنهار، فلا يُرفع عملك محمّلًا بالذنوب.
- صم الاثنين والخميس اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليُعرض عملك وأنت صائم.
- أصلح ما بينك وبين إخوانك؛ فالمتشاحنان تُؤخَّر مغفرتهما حتى يصطلحا.
- أكثر من الصيام والطاعة في شعبان؛ فهو شهر رفع الأعمال السنوي.
- اجعل لك عملًا يجري بعد موتك: صدقة جارية، أو علمًا نافعًا، أو ولدًا صالحًا.
الخلاصة
| نوع الرفع | موعده | الدليل |
|---|---|---|
| اليومي | مرتان: بعد الفجر وبعد العصر | حديث تعاقب الملائكة (متفق عليه) |
| الأسبوعي | الاثنين والخميس | حديث أبي هريرة (مسلم) |
| السنوي | شهر شعبان | حديث أسامة بن زيد (أحمد والنسائي) |
| الختامي | عند الموت | آيات المطففين والإسراء |


