
دعا الإسلام إلى الزواج، ورغّب فيه، وجعله من سنن المرسلين، ونهى عن التبتل والرهبانية؛ لما فيه من إعفاف النفس، وحفظ النسل، وبناء الأسرة المسلمة، وصيانة المجتمع من الفواحش. وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف في الحث عليه، وهذا المقال يجمع أهمها.

أولًا: الترغيب في النكاح في القرآن الكريم
- الأمر بتزويج الأيامى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32].
- الإذن في النكاح وتعدد الزوجات بشرط العدل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
- الزواج آية من آيات الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
- الزواج سنة المرسلين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38].
- الامتنان بنعمة الزوجة والذرية: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: 72].
ثانيًا: الترغيب في النكاح في السنة النبوية
الأمر بالزواج لمن استطاعه
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
متفق عليه: البخاري (5066) ومسلم (1400)
الزواج من سنة النبي صلى الله عليه وسلم
عن أنس رضي الله عنه أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه فقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
متفق عليه: البخاري (5063) ومسلم (1401)
النهي عن التبتل والحث على الولود
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه أحمد (12613)، وصححه ابن حبان
تيسير زواج صاحب الدين والخلق
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
رواه الترمذي (1084) وابن ماجه (1967)، وحسّنه الألباني
سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن زواجهم
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلما قفلنا… قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعرس، قال: «أَتَزَوَّجْتَ؟» قلت: نعم، قال: «أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟» قلت: بل ثيبًا، قال: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ».
متفق عليه: البخاري (5079) ومسلم (715)
وفي بقية الحديث أن جابرًا اعتذر بأن أباه ترك أخوات صغارًا، فأراد امرأة تقوم عليهن، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: أقوال السلف في فضل النكاح
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها، ولي فيهن طَوْل النكاح، لتزوجت مخافة الفتنة.
وعن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: فتزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً.
رواه البخاري (5069)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. وقال طاووس: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج.
وكان أبو مسلم الخولاني يقول: يا معشر خولان، زوّجوا نساءكم وأياماكم؛ فإن الشهوة أمر عارم، فأعدّوا له عدة. وقال يزيد بن ميسرة: ما أشد الشهوة في الجسد، إنما هي مثل حريق النار.
ودعا ابن عباس مواليه سُميعًا وكُريبًا وعكرمة فقال: إنكم قد بلغتم ما يبلغ الرجال من شأن النساء، فمن أحب منكم أن أزوجه زوجته.
أخرج هذه الآثار عبد الرزاق وسعيد بن منصور في سننه وغيرهما
وقال أيوب السختياني: كان أبو قلابة يحثني على السوق والضيعة وطلب الرزق، وكان محمد بن سيرين يحثني على التزويج.
الخلاصة
- رغّب القرآن في النكاح أمرًا وامتنانًا، وجعله آية من آيات الله وسنة المرسلين.
- أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج، وعدّ الرغبة عنه رغبة عن سنته، ونهى عن التبتل.
- أمر الأولياء بتزويج صاحب الدين والخلق، وحذّر من الفتنة إن رُدّ.
- اشتد حرص الصحابة والتابعين على الزواج وتزويج من يلونه، خوفًا من الفتنة وطلبًا للذرية.
أسئلة شائعة
ما حكم الزواج في الإسلام؟
الأصل أنه سنة مؤكدة، ويجب على القادر الذي يخاف على نفسه الوقوع في الحرام، وقد يكره أو يحرم على من يعلم أنه يظلم زوجته.
هل ترك الزواج للتفرغ للعبادة فضيلة؟
لا، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقال لمن أراد ترك النساء للعبادة: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ما المقصود بالباءة في الحديث؟
الباءة: القدرة على الزواج ومؤنته من مهر ونفقة، ويدخل فيها القدرة على الجماع.
وانظر: فوائد النكاح وآفاته، والخطبة: تعريفها وصيغتها وحكمها، والحكمة من تعدد الزوجات.


