
الخِطبة هي الخطوة الأولى في بناء الأسرة المسلمة، ولها أحكام وآداب ينبغي معرفتها؛ لأن كثيرًا من الأخطاء الشائعة في «الخطوبة» ناشئ عن الجهل بحدودها الشرعية. وفي هذا المقال بيان تعريف الخطبة، وصورها الواردة في النصوص، وصيغتها، وأحكامها الخمسة.

تعريف الخطبة لغة واصطلاحًا
الخطبة لغة: بكسر الخاء، مأخوذة من الخَطْب، وهو الشأن والأمر صغر أو عظم؛ والخِطْب: الذي يخطب المرأة، ويطلق على المرأة المخطوبة أيضًا.
واصطلاحًا: التماس الخاطب نكاح المرأة منها أو من وليّها. وهي وعد بالزواج، لا عقد؛ فلا يترتب عليها شيء من أحكام الزوجية، وتبقى المخطوبة أجنبية عن خاطبها حتى يتم العقد.
صور الخطبة في النصوص الشرعية
الصورة الأولى: أن يخطب الرجل المرأة مباشرة
ولا سيما إذا كانت ثيبًا رشيدة، كما خطب أبو طلحة أم سليم رضي الله عنهما:
عن أنس رضي الله عنه قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرَدّ، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره. فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم.
رواه النسائي (3341)
الصورة الثانية: أن يخطبها من وليها فيستأذنها الولي
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
رواه مسلم (1421)
الصورة الثالثة: أن يرسل الخاطب رسولًا يخطب له
كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطب له أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: إن لي بنتًا، وأنا غيور، فقال: «أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ» رواه مسلم (918).
الصورة الرابعة: أن يعرض الولي موليته على الرجل الصالح
كما عرض الرجل الصالح صاحب مدين إحدى ابنتيه على موسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب حين تأيّمت حفصة لقي عثمان بن عفان فعرض عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، ثم قال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، فلقي أبا بكر فعرضها عليه فلم يرجع إليه شيئًا… ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحها إياه، فقال أبو بكر: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها.
رواه البخاري (4005)
الصورة الخامسة: أن تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح
عن ثابت البناني قال: كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها! واسوأتاه! قال: «هي خير منك، رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها».
رواه البخاري (5120)
ومنه حديث الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوّجها رجلًا من أصحابه بما معه من القرآن، متفق عليه من حديث سهل بن سعد.
صيغة الخطبة
لم يرد في الخطبة لفظ مخصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه يُرجع إليه ويبطل ما عداه؛ فتصح الخطبة بكل لفظ يدل عليها، صريحًا كان أو كناية، من الخاطب أو من ينوب عنه، ويكون الجواب من المخطوبة أو وليها.
ويفرّق الفقهاء بين:
- التصريح: وهو ما لا يحتمل غير النكاح، كقوله: أريد أن أتزوجك.
- التعريض: وهو ما يحتمل النكاح وغيره، كقوله: إني في مثلك لراغب، أو: من يجد مثلك؟
أحكام الخطبة الخمسة
الخطبة وسيلة إلى النكاح، فتأخذ حكمه بحسب حال الخاطب:
| الحكم | الحال |
|---|---|
| الوجوب | لمن يقدر على مؤنة النكاح ويخشى على نفسه الوقوع في الحرام |
| الاستحباب | لمن يقدر على النكاح وله شهوة، ولا يخشى على نفسه العنت |
| الإباحة | لمن لا شهوة له ويقدر على المؤنة، ولا يترتب على نكاحه ضرر |
| الكراهة | لمن لا يقدر على المؤنة ولا يخشى الوقوع في الحرام |
| التحريم | في صور منصوصة، يأتي بيانها |
الخطبة المحرمة
خطبة المعتدة
- المعتدة من طلاق رجعي: يحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا؛ لأنها في حكم الزوجة.
- المعتدة من وفاة أو من طلاق بائن: يحرم التصريح بخطبتها، ويجوز التعريض، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235].
الخطبة على خطبة أخيه
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ».
رواه البخاري (5142) ومسلم (1412)
صور أخرى
خطبة من لا يحل له نكاحها في الحال، كخطبة الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة التي طلقها، أو خطبة أخت زوجته المطلقة طلاقًا رجعيًّا قبل انقضاء عدتها.
الخلاصة
- الخطبة التماس النكاح، وهي وعد لا عقد، والمخطوبة أجنبية حتى يتم العقد.
- تصح من الخاطب أو وليه أو رسوله، ويجوز للولي أن يعرض موليته على الصالحين، وللمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح.
- لا صيغة مخصوصة لها، وتصح بكل لفظ يدل عليها.
- تأخذ أحكام النكاح الخمسة، وتحرم خطبة الرجعية مطلقًا، وخطبة المعتدة تصريحًا، والخطبة على خطبة الأخ.
أسئلة شائعة
هل يجوز للخاطب أن يخلو بمخطوبته أو يخرج معها؟
لا، فالمخطوبة أجنبية عنه حتى يعقد عليها، فلا تجوز الخلوة بها ولا مصافحتها، ويشرع له النظر إليها بضوابطه.
ما حكم فسخ الخطبة؟
يجوز لأي من الطرفين العدول عن الخطبة إذا لم يرتح إلى الآخر، لأنها وعد لا عقد، والأولى ألا يكون العدول إلا لغرض صحيح، مع حفظ الأسرار وعدم الإساءة.
هل الهدايا في فترة الخطبة تُرد إذا فُسخت؟
للعلماء في ذلك أقوال، وكثير من المحاكم الشرعية تعمل بالعرف أو بقول من يرى رد الهدايا القائمة إذا كان العدول من جهة المخطوبة.
وانظر: أحكام النظر إلى المخطوبة، والترغيب في الزواج والحث عليه، وصفات الزوجة الصالحة، وصفات الزوج الصالح.


