جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

فوائد النكاح وآفاته: اثنتا عشرة فائدة للزواج في الإسلام وأربع آفات يجب الحذر منها — إسماعيل العضامي

النكاح من أعظم نعم الله على عباده، وهو سنة المرسلين، وسكن النفوس، وبه يكون بقاء النوع الإنساني وعمارة الأرض. وقد تكلم العلماء -كالإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين»- عن فوائد النكاح وآفاته، ووازنوا بينهما، ليعرف المسلم ما يرجوه من زواجه وما ينبغي أن يحذره.

وفي هذا المقال بيان اثنتي عشرة فائدة من فوائد النكاح، ثم أربع آفات ينبغي للمتزوج أن يتنبه لها.

أولًا: فوائد النكاح

يشتمل النكاح على فوائد عاجلة وآجلة، دينية ودنيوية، فمنها:

1. طاعة الله تعالى بامتثال أمره

قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32].

2. الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ».

رواه ابن ماجه (1846)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (6807)

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا».

متفق عليه: البخاري (5073) ومسلم (1402)

ودخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة وهي رثة الهيئة، فسألتها عن شأنها، فأخبرتها أن زوجها يقوم الليل ويصوم النهار، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يَا عُثْمَانُ، إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا، أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟» رواه عبد الرزاق في المصنف.

3. اتباع سنة المرسلين

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]؛ فالنكاح من سنن الفطرة التي جاءت بها الشرائع وعمل بها الأنبياء جميعًا.

فوائد النكاح وآفاته

4. دفع غوائل الشهوة

فالشهوة إذا لم تُصرف في الحلال جرّت صاحبها إلى الفواحش والمنكرات؛ ولهذا شدّد السلف على من ترك الزواج مع قدرته عليه.

عن طاووس قال: قال عمر لرجل: «أَتَزَوَّجْتَ؟» قال: لا، قال: «إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَحْمَقَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فَاجِرًا».

رواه عبد الرزاق في المصنف (10383)

وإنما قال عمر ذلك لأن الأعزب أقرب الناس إلى الفتنة، ولا سيما إذا كان خفيف الدين. وكان وهب بن منبه يقول: مثل الأعزب مثل شجرة في فلاة، تقلّبها الرياح هكذا وهكذا.

5. كثرة النسل وتكثير الأمة

عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».

رواه أبو داود (2050) والنسائي (3227)، وروي نحوه عن أنس عند أحمد

ومن فوائد الذرية ما تعود به على صاحبها من العمل الصالح الذي لا ينقطع بعد موته؛ ولهذا لما أراد عبد الله بن عمر ألا يتزوج بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت له أخته حفصة: «أي أخي، تزوج؛ فإن وُلد لك فمات كان لك فرطًا، وإن بقي دعا لك بخير» رواه عبد الرزاق.

6. التماس الغنى والرزق

عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: «اطْلُبُوا الْفَضْلَ فِي الْبَاءَةِ»، وتلا: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

رواه عبد الرزاق في المصنف (10385)

7. التنبيه باللذة الفانية على اللذة الباقية

إذا ذاق العبد لذة النكاح في الدنيا علم أن ما أعده الله لأهل طاعته في الآخرة أعظم منها وأكمل، فحمله ذلك على المسارعة إلى الخيرات لتحصيل لذات لا كدر فيها، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25].

8. ترويح النفس وإيناسها

بمخالطة الزوجة ومؤانستها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

9. تفريغ القلب من تدبير المنزل

فالمرأة الصالحة تكفي زوجها كثيرًا من شؤون البيت وأسباب المعيشة، فلو تكفّل بها وحده لضاع أكثر وقته، ولم يتفرغ للعلم والعمل؛ فهي بذلك عون له على دينه.

10. مجاهدة النفس بالرعاية والولاية

بالقيام بحقوق الأهل، والصبر على أخلاقهم، واحتمال الأذى منهم، والسعي في إصلاحهم وإرشادهم، والاجتهاد في الكسب الحلال لأجلهم، والقيام بتربية الأولاد؛ وكلها أعمال عظيمة الفضل.

11. تحصيل الأجور العظيمة بالنفقة على الأهل

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ».

رواه مسلم (995)

12. كفاية امرأة مسلمة وصيانتها

بإعفافها عن الوقوع في الحرام، وسدّ حاجتها، والقيام على مصالحها، والنفقة عليها، وتوفير السكن والأمان لها.

ثانيًا: آفات النكاح

على كثرة فوائد النكاح ومزاياه، فإنه قد يشتمل على آفات ينبغي للمتزوج أن يحذرها، منها:

1. العجز عن طلب الحلال وكفاية الأسرة

فربما امتدت يد المعيل إلى الحرام، وربما افتقر فاضطر إلى سؤال الناس.

2. ترك الصبر على الأهل والتقصير في تربيتهم

فيكثر تضجره من أخلاق زوجته وشرود أولاده، فيترك رعايتهم وتأديبهم، وفي ذلك خطر عظيم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ… وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ».

متفق عليه من حديث ابن عمر: البخاري (2554) ومسلم (1829)

3. المحبة الزائدة على الحد للزوجة والأولاد

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 14–15]

وليست العداوة هنا عداوة البغضاء والقتال، وإنما هي المحبة المفرطة التي تُخرج العبد عن طاعة الله، وتحمله على مخالفة أمره إرضاءً لزوجته وولده. قال مجاهد: يحمل الرجلَ على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه.

وقال عكرمة: كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له أهله: أين تذهب وتدعنا؟ فإذا أسلم وفقه قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهونني عن هذا الأمر فلأفعلن بهم، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

4. الانشغال بالأهل والأولاد عن الآخرة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].

عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: «صَدَقَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا».

رواه أحمد وأبو داود (1109) والترمذي (3774) والنسائي (1413)

الخلاصة: الموازنة بين فوائد النكاح وآفاته

هذه الآفات لا تعدل شيئًا أمام المنافع والمصالح العظيمة المتحققة من النكاح؛ ولذلك لم يلتفت إليها الشرع، بل ندب إلى النكاح وحثّ عليه، وأوجبه على القادر إذا خاف على نفسه العنت. والسبيل إلى السلامة منها: تقوى الله، وطلب الحلال، والصبر على الأهل، وتقديم طاعة الله على هوى النفس والأهل.

فوائد النكاحآفات النكاح
طاعة الله واتباع سنة النبي والمرسلينالعجز عن الكسب الحلال
إعفاف النفس ودفع الشهوةترك الصبر على الأهل والتقصير في تربيتهم
كثرة النسل والذرية الصالحةالمحبة المفرطة للأهل على حساب الطاعة
السكن والأنس والأجر في النفقةالانشغال بالأهل والأولاد عن ذكر الله

أسئلة شائعة

هل الزواج واجب أم سنة؟

الأصل أنه سنة مؤكدة لمن له شهوة ويأمن على نفسه، ويجب على القادر إذا خاف على نفسه الوقوع في الحرام، ويكره أو يحرم على من يعلم أنه يظلم زوجته ولا يقوم بحقها.

ما علاج الشهوة لمن لا يقدر على الزواج؟

أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصوم، فقال: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، مع غض البصر، والبعد عن أسباب الفتنة، وملء الوقت بالنافع.

هل يمنع الفقر من الزواج؟

لا ينبغي أن يمنع الفقر من الزواج إذا قدر الرجل على ما يلزمه من الحقوق بقدر حاله؛ فقد وعد الله المتزوجين الفقراء بالغنى من فضله.

شاهد الدرس مرئيًّا

اقرأ أيضًا: الحكمة من تعدد الزوجات، وأحكام النظر إلى المخطوبة، وعقوق الآباء للأبناء.