جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الشهوات المحرمة: كيف نواجهها؟ خطورتها وأسباب الانحراف وطرق العلاج — إسماعيل العضامي

الشهوة غريزة فطر الله الناس عليها، وجعل لها طريقًا مشروعًا تُصان به الأعراض وتُحفظ به الأنساب. فإذا أُطلق لها العنان في الحرام صارت نارًا تحرق صاحبها ومجتمعه. وفي هذه الخطبة: كيف نواجه الشهوات المحرمة؟ نبدأ بالأصول التي تعين على الثبات، ثم نبيّن ما حرّمه الله، ثم أسباب الانحراف وطرق العلاج.

الشهوات المحرمة: كيف نواجهها؟

أولًا: الإسلام مبني على الاستسلام لله

الاستسلام لله أساس الإسلام، قال تعالى:

﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34]

وقال في إبراهيم عليه السلام:

﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]

ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام؛ فلا بد من تحكيم شرع الله في أنفسنا، وبيوتنا، وشهواتنا ورغباتنا، وأعراضنا، ومطاعمنا ومشاربنا، بلا حرج في الصدور، ولا تردد ولا شك في حكم الله:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]

فلا بد من كبح النفس في جنب الله تعالى، وما أحسن قول القائل:

صبرتُ عن اللذاتِ حتى تولَّتِوألزمتُ نفسي صبرَها فاستمرَّتِ
وما النفسُ إلا حيثُ يجعلُها الفتىفإنْ أُطمِعتْ تاقتْ وإلا تسلَّتِ

ثانيًا: الدنيا دار ابتلاء، ولذّاتها منغَّصة

لن تجد في الدنيا لذة مكتملة أبدًا، لا بد أن تجد فيها ما يكدّر عليك صفوها؛ لأنها دار اختبار لا دار قرار:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]

واعلم -رعاك الله- أن عمر اللذات قصير جدًّا، فإذا كان الله قد سمّى نعيم الدنيا كله «زهرة»، والزهرة سريعة الذبول:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]

فما ظنك بلذة محرمة لا تدوم إلا لحظات؟! ويُنسب إلى مسعر بن كدام رحمه الله:

تفنى اللذاذةُ ممن نالَ صفوتَهامن الحرامِ ويبقى الإثمُ والعارُ
تبقى عواقبُ سوءٍ في مغبَّتِهالا خيرَ في لذةٍ من بعدِها النارُ

وقال صلى الله عليه وسلم: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».

رواه مسلم (2822)

ثالثًا: في الحلال غُنية عن الحرام

من طلب الحلال ورضي به كفاه الله به، ومن لم يُشبعه الحلال فذهب إلى الحرام لم يُشبعه شيء. وتأمل قصة طالوت حين سار بجنوده:

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]

ذكر المفسرون أن من اغترف غرفة واحدة بيده كفته وروي، ومن عبّ من الماء عبًّا لم يرتوِ، ورجع خاسرًا لم ينل شرف الجهاد في سبيل الله.

فهذه رسالة لأصحاب الشهوات المحرمة: لن تشبع من الحرام أبدًا؛ فالحرام كالسلسلة، من جرّ حلقة تبعتها الأخرى، وعاقبته ضيق وشقاء:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]

رابعًا: خطورة الشهوة إذا أُطلق لها العنان

الشهوة إذا أطلقها صاحبها صارت كالدابة الجامحة التي لا يردّها شيء. وما نسمعه من حوادث الاعتداء على الأعراض ليس إلا ثمرة من ثمرات أناس أطلقوا الحرية لشهواتهم، ولم يؤدبوا أنفسهم، ولم يكبحوا جماحها خوفًا من الله تعالى.

خامسًا: ما حرّمه الله من الشهوات

إن الله لا يستحيي من الحق، وقد بيّن لعباده ما يحل لهم وما يحرم عليهم، وجمع ذلك في قاعدة واحدة في وصف المؤمنين:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5–7]

فسمّى من جاوز الحلال «عادين»؛ لأنهم تعدّوا حدّ المشروع إلى غير المشروع. ومما يدخل في ذلك:

الزنا ودواعيه

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

وتأمل قوله: «ولا تقربوا»؛ فالنهي عن القرب نهي عن كل ما يوصل إليه، ولذلك حرّم الشرع أسبابه ودواعيه:

  • النظرة المحرمة، وأمر بغض البصر.
  • الخضوع بالقول، والحديث لغير حاجة.
  • التبرج والسفور.
  • الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومسّها.
  • الاختلاط الذي لا تُراعى فيه الضوابط الشرعية.

وللاعتبار انظر: نظرات قاتلة: قصص في عواقب النظر الحرام.

عمل قوم لوط

وهو من أعظم الكبائر، وقد قصّ الله علينا خبر قوم لوط عليه السلام الذين جاهروا بهذه الفاحشة:

﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 81]

فلما أصرّوا وكذّبوا نبيهم، وأرادوا السوء بأضيافه من الملائكة، قالت الملائكة:

﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 81]

ثم نزلت بهم العقوبة:

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: 82]

ومثله في التحريم ما يكون بين النساء، وهو من الكبائر باتفاق أهل العلم.

إتيان الزوجة في الدبر

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا».

رواه الترمذي (1165) وحسّنه، وابن حبان

وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ».

رواه ابن ماجه (1924) وأحمد

إتيان البهائم

وهو محرم بإجماع أهل العلم، ومنافٍ للفطرة السليمة، وجمهور الفقهاء على أن فاعله يُعزَّر بما يردعه، والحديث الوارد في قتله ضعيف لا تقوم به حجة.

العادة السرية

وجمهور أهل العلم على تحريمها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، وهي باب يجرّ صاحبه إلى إدمان النظر المحرم، وإلى ضعف القلب والعزيمة.

صيانة الصغار وسدّ الذرائع

ومن تمام حفظ الأعراض: حماية الصغار والأحداث من كل ما يعرّضهم للأذى. وقد شدّد أئمة السلف في منع النظر بشهوة إلى الأحداث، ومنع الخلوة المريبة بهم، وإن كان ظاهر المقصد حسنًا؛ لأن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.

قال المرّوذي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: الرجل ينظر إلى المملوك؟ قال: «إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه، كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل».

سادسًا: أسباب الانحراف في باب الشهوات

  1. ضعف الإيمان وقلة مراقبة الله تعالى.
  2. التقليد الأعمى لما تروّجه وسائل الإعلام والمجتمعات المنحلّة.
  3. رفقاء السوء الذين يزيّنون المعصية ويهوّنونها.
  4. الفراغ وإطلاق البصر، والإفراط في إجابة النفس إلى كل ما تشتهي.
  5. تأخير الزواج مع القدرة عليه، وتعسير أسبابه.

سابعًا: طرق العلاج

1. حسم مادة الشر قبل الافتتان به

فينبغي للعبد أن يجفف منابع الفتنة، وأن يغلق أبوابها، وألا يفتح على نفسه بابًا منها؛ فإنه إن فُتح لا يكاد يُغلق. وأول ذلك غض البصر:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30]

2. الزواج، أو الصوم لمن لم يستطع

قال صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

متفق عليه

وانظر: الترغيب في الزواج والحث عليه.

3. التوبة تجبّ ما قبلها

مهما بلغ الذنب فباب التوبة مفتوح:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 59–60]

وقال صلى الله عليه وسلم: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

رواه ابن ماجه (4250) بسند حسن

وانظر: شروط التوبة الصحيحة.

4. شغل القلب بما يصدّه عن الحرام

قال ابن القيم رحمه الله في علاج هذا الداء: أن يشتغل القلب بما يصدّه عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه، وهو إما خوف مقلق، أو حب مزعج؛ فإن النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه حصولُه أضرّ عليها من فوات هذا المحبوب.

الداء والدواء (الجواب الكافي)

فاملأ قلبك بمحبة الله والخوف منه، وتذكّر السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» متفق عليه.

5. الصبر، وملء الفراغ، وصحبة الصالحين

اصبر عن المعصية ساعة تسترح بعدها دهرًا، واشغل وقتك بالنافع، وسارع في الخيرات، واترك رفقة السوء واستبدل بها رفقة أهل الإيمان التي تعينك على الخير وتبعدك عن الشر. وللتوسع: عشرة أسباب تعينك على ترك المعاصي، وهؤلاء لم تفتنهم امرأة: قصص العفة.

الخلاصة

  • الإسلام استسلام لله، ومن استسلم لله حكّم شرعه في شهواته.
  • لذّات الحرام قصيرة، وعواقبها طويلة، وفي الحلال غُنية عنها.
  • القاعدة الجامعة: حفظ الفروج إلا على الأزواج، ومن ابتغى وراء ذلك فهو من العادين.
  • أسباب الانحراف: ضعف الإيمان، والتقليد، وصحبة السوء، والفراغ.
  • العلاج: غض البصر، والزواج أو الصوم، والتوبة، وشغل القلب بمحبة الله وخوفه، وصحبة الصالحين.

والحمد لله رب العالمين.