
الناس في باب التكفير ثلاثة أقسام: طرفان ووسط؛ طرف غلا فيه حتى كفّر المسلمين بالذنوب والظنون، وطرف فرّط فيه حتى لم يحكم بالكفر على أحد، ووسط هم أهل السنة والجماعة الذين حكموا بما حكم الله به ورسوله، بعلم وعدل وتثبّت.

الطرف الأول: الغلاة في التكفير
وهم الذين غلوا في التكفير جدًّا، حتى كفّروا بالذنوب والكبائر والشبهات، وكفّروا المسلمين بالأهواء والظنون بغير حجة ولا بيّنة، ومن هؤلاء الخوارج، ومن تأثر بهم من المعتزلة في الحكم بخلود مرتكب الكبيرة في النار.
وقد غلا الخوارج حتى كفّروا الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، واستحلوا دماء المسلمين، حتى قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكسر شوكتهم وفرّق جمعهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهم:
«يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ».
متفق عليه: البخاري (3344)، ومسلم (1064)
ومن ثمار الغلو في التكفير في كل عصر: استباحة الدماء المعصومة، والخروج على الأئمة، وتشويه صورة الإسلام، وتفريق صف المسلمين.
الطرف الثاني: المفرّطون في التكفير
وهم الذين فرّطوا فيه جدًّا، فلم يحكموا بكفر من ارتد عن دينه، أو وقع في الكفر الصريح بعد إسلامه، أو شك في حكم الله وشرعه، بل وصل الحال ببعضهم إلى التوقف في كفر الكفار الأصليين من اليهود والنصارى وغيرهم ممن كذّب بالرسول صلى الله عليه وسلم، والتماس الأعذار لهم. ولم يجعلوا الكفر إلا في الجحود والتكذيب القلبي، وقالوا: لا يطلع على ذلك إلا الله، فلا يمكن الحكم بالكفر على أحد! وهذا قول المرجئة والجهمية ومن وافقهم.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]
الوسط: أهل السنة والجماعة
وهم الذين سلكوا المنهج الوسط في هذه المسألة الخطيرة؛ فلم يتجاسروا على التكفير متوسّعين فيه بغير علم وبيّنة، ولم يقصّروا فيه حتى عطّلوا أحكام الله.
ومن معالم منهجهم:
- يكفّرون من كفّره الله ورسوله، ويحكمون بالكفر على الأقوال والأفعال والاعتقادات التي دلت النصوص على أنها كفر.
- يفرّقون بين الحكم المطلق على الفعل، والحكم على الشخص المعيّن.
- لا يكفّرون المعيّن إلا بعد قيام الحجة، وتحقق الشروط، وانتفاء الموانع.
- لا يكفّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.
- يردّون الحكم على الأعيان إلى أهل العلم والقضاء.
- يرحمون الخلق، ويدعونهم إلى الحق، ويحبون هدايتهم.
من أمثلة الكفر المجمع عليه
قال القاضي عياض رحمه الله:
كل مقالة صرّحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله، فهي كفر… وكذلك من اعترف بإلهية الله ووحدانيته، ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم، وأنه محدَث أو مصوَّر، أو ادعى له ولدًا أو صاحبة أو والدًا، أو أنه متولّد من شيء أو كائن عنه، أو أن معه في الأزل شيئًا قديمًا غيره، أو أن ثَمّ صانعًا للعالم سواه أو مدبّرًا غيره، فذلك كله كفر بإجماع المسلمين.
القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 236) باختصار
وقال الإمام البخاري في الجهمية الذين أنكروا صفات الله: «وإني لأستجهل من لا يكفّرهم، إلا من لا يعرف كفرهم» (خلق أفعال العباد ص 35)، وهذا في تكفير المقالة وأهلها على العموم، مع ما تقدم من ضوابط تكفير المعيّن.
مقارنة بين الأقسام الثلاثة
| القسم | موقفه من التكفير | نتيجته |
|---|---|---|
| الغلاة (الخوارج) | يكفّرون بالكبائر والظنون | استحلال دماء المسلمين وتفريق الأمة |
| المفرّطون (المرجئة) | لا يكفّرون إلا بالجحود القلبي | تمييع الدين وتعطيل أحكامه |
| أهل السنة | يكفّرون من كفّره الله ورسوله بعلم وعدل | حفظ الدين وحفظ الدماء |
سلسلة: الكفر الاعتقادي أنواعه وأحكامه
هذا المقال هو الجزء السادس من السلسلة، وهذه أجزاؤها:
- مقدمة: أهمية باب الاعتقاد وأعمال القلوب
- تعريف الإيمان عند أهل السنة
- بأي شيء يقع الكفر؟
- الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر
- خطورة التكفير وضوابطه
- أحوال الناس في التكفير: طرفان ووسط (هذا المقال)
أسئلة شائعة
من هم الخوارج؟
فرقة خرجت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكفّرت مرتكب الكبيرة، واستحلت دماء المسلمين، وجاءت الأحاديث الصحيحة في ذمهم والتحذير منهم.
ما منهج أهل السنة في التكفير؟
الاعتدال: الحكم بالكفر على ما دلّ الشرع على أنه كفر، مع التثبت في تكفير المعيّن، وعدم التكفير بالذنوب ما لم تُستحل، وردّ ذلك إلى العلماء.
الخلاصة
الغلو في التكفير والتفريط فيه طرفان مذمومان، والحق وسط بينهما: لا نكفّر مسلمًا بذنب، ولا نتوقف في كفر من كفّره الله ورسوله، ونفرّق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل. وبهذا تختم السلسلة، والحمد لله رب العالمين.


