
التكفير حكم شرعي، لا يجوز الافتئات عليه إلا بعلم ودليل قاطع يقيني؛ فمن ثبت له عقد الإسلام بيقين لا يُنقل عنه إلى دائرة الكفر إلا بيقين مثله أو أقوى منه. ورمي المسلم بالكفر من أعظم البهتان والأذى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]

الوعيد الشديد لمن كفّر مسلمًا
«إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا».
أخرجه البخاري (6103) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
«أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا».
أخرجه البخاري (6104) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
«مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ».
أخرجه البخاري (6105) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه
وقد بوّب البخاري على هذه الأحاديث: «باب من كفّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال».
متى يرجع التكفير على قائله؟
فصّل العلماء في قول المسلم لأخيه: «يا كافر»، قال الحليمي رحمه الله:
وإن قال مسلم لمسلم: يا كافر، فهذا على وجهين: إن أراد أن الدين الذي يعتقده كفر، كفر بذلك، وإن أراد به كافرًا في الباطن ولكنه يظهر الإيمان نفاقًا لم يكفر، وإن لم يُرد شيئًا لم يكفر؛ لأن ظاهره أنه رماه بما لم يعلم في نفسه مثله، ولأن الإسلام ثابت له باليقين فلا يخرج منه بالشك.
وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذا على وجهين: أحدهما: أن يتمناه كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه، فهذا كفر؛ لأن استحسان الكفر كفر. والآخر: أن يتمناه له كما يتمنى العدو لعدوه الشيء يستقبحه، فهذا ليس بكفر؛ فقد تمنى موسى عليه السلام بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون وملؤه حتى يروا العذاب الأليم، فدعا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88]، فلم ينكر الله ذلك عليه.
الحليمي، المنهاج في شعب الإيمان (1/ 143)
ومن هذا النوع دعاء نوح عليه السلام على قومه لما يئس من إيمانهم: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: 24]، ودعاء سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على من افترى عليه (أخرجه البخاري 755).
الفرق بين تكفير القول وتكفير القائل
وهذا أصل عظيم عند أهل السنة: أن الحكم على القول أو الفعل بأنه كفر لا يستلزم الحكم على كل من قاله أو فعله بالكفر.
إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعيّن، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن إلا إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع… والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار؛ فالتكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعيّن بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعيّن؛ فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 497–498) باختصار
نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك، لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعيّن إلا إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى (10/ 372)
ومسألة تكفير المعيّن مسألة معروفة: إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعيّن إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
عبد الله وإبراهيم ابنا عبد اللطيف آل الشيخ وسليمان بن سحمان، كما في «المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد» (ص 480)
تحذير ابن عثيمين من التسرع في التكفير
وليُعلم أنه يجب على الإنسان أن يتقي ربه في جميع الأحكام، فلا يتسرع في البتّ بها، خصوصًا في التكفير الذي صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا رويّة، مع أن الإنسان إذا كفّر شخصًا ولم يكن الشخص أهلًا له عاد ذلك إلى قائله، وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة… وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معيّن حتى يتبين شروط التكفير في حقه، يجب ألا نجبن عن تكفير من كفّره الله ورسوله.
ولكن يجب أن نفرّق بين المعيّن وغير المعيّن؛ فالمعيّن يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين: الأول: ثبوت أن هذه الخصلة التي قام بها مما يقتضي الكفر. الثاني: انطباق شروط التكفير عليه، وأهمها العلم بأن هذا مكفّر، فإن كان جاهلًا فإنه لا يكفر؛ ولهذا ذكر العلماء أن من شروط إقامة الحد أن يكون عالمًا بالتحريم، هذا وهو في إقامة حد وليس بتكفير، والتحرز من التكفير أولى وأحرى.
ابن عثيمين، القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 111)
شروط التكفير وموانعه في جدول
| الشرط | المانع المقابل |
|---|---|
| العلم بأن الفعل أو القول مكفّر | الجهل الذي يُعذر به مثله |
| القصد والإرادة | الخطأ وسبق اللسان |
| الاختيار | الإكراه |
| عدم التأويل السائغ | التأويل المحتمل والشبهة |
| قيام الحجة الرسالية | عدم بلوغها |
الحكم على المعيّن بالكفر وما يترتب عليه من أحكام موكول إلى أهل العلم الراسخين والقضاء الشرعي، وليس لآحاد الناس ولا لطلبة العلم المبتدئين.
سلسلة: الكفر الاعتقادي أنواعه وأحكامه
هذا المقال هو الجزء الخامس من السلسلة، وهذه أجزاؤها:
- مقدمة: أهمية باب الاعتقاد وأعمال القلوب
- تعريف الإيمان عند أهل السنة
- بأي شيء يقع الكفر؟
- الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر
- خطورة التكفير وضوابطه (هذا المقال)
- أحوال الناس في التكفير: طرفان ووسط
أسئلة شائعة
هل يجوز لعامة الناس تكفير شخص معيّن؟
لا؛ فتكفير المعيّن يحتاج إلى علم بالأدلة، وتحقق من الشروط والموانع، وهذا من شأن العلماء والقضاة، والخطأ فيه يرجع على قائله.
ما الفرق بين تكفير القول وتكفير القائل؟
تكفير القول حكم عام على الفعل أو القول بأنه كفر، أما تكفير القائل المعيّن فلا يكون إلا بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقه.
الخلاصة
التكفير حكم شرعي خطير، يرجع على قائله إن لم يكن المرمي به أهلًا له، والأصل في المسلم بقاء إسلامه، ولا يُخرج منه إلا بيقين، ولا يُحكم على المعيّن إلا بعد قيام الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع.


