جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة12 سبتمبر 2022
الكفر الاعتقادي (4): ثمانية فروق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر — إسماعيل العضامي

الكفر عند أهل السنة نوعان: كفر أكبر يُخرج من الملة، وكفر أصغر لا يُخرج منها، وهو ما سمّاه الشرع كفرًا ولم يبلغ حد الأكبر، كقوله صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (متفق عليه). وبين النوعين فروق مهمة نعرضها في هذا الجزء.

الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر

1. الخروج من الملة

الكفر الأكبر يُخرج صاحبه من الملة:

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: 90]

وأما الكفر الأصغر فلا يُخرج صاحبه من الملة، فهو بمنزلة الكبائر غير المكفّرة، إلا إذا استحلّه صاحبه؛ فإن استحلال المحرم المعلوم تحريمه كفر.

2. حبوط الأعمال

الكفر الأكبر يُحبط جميع الأعمال إن مات صاحبه عليه من غير توبة:

﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217]

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]

والمقصود بحبوط العمل هنا حبوط ثواب الأعمال الصالحة في الآخرة؛ لانتفاء شرط الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. أما من تاب قبل الموت وحسنت توبته فلا يحبط عمله على الراجح، بل يرجع إليه ما كان عليه قبل الردة، ولا يُطالب بإعادة الفرائض التي أداها قبلها.

وأما الكفر الأصغر فلا يُحبط الأعمال كلها، لكنه يُنقص أجرها، وبعض أنواعه -كالرياء- يُحبط العمل الذي خالطه.

3. الخلود في النار

الكفر الأكبر يُخلّد صاحبه في النار إن مات عليه:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 68]

وأما الكفر الأصغر فلا يُخلّد صاحبه في النار وإن مات عليه من غير توبة، على الصحيح من قولي أهل العلم -إن دخلها- فإن الله قد يعفو عنه ابتداءً فلا يدخلها.

4. العصمة

الكفر الأكبر يُزيل عصمة الإسلام عن صاحبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».

متفق عليه: البخاري (25)، ومسلم (22)

تنبيه مهم: غير المسلم الذي له عهد أو ذمة أو أمان معصوم الدم والمال بعهده، يحرم الاعتداء عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (أخرجه البخاري 3166). وأحكام القتال والحرب والسلم إنما هي لولي الأمر بحسب حال الدولة المسلمة وقوتها ومصالحها، لا لآحاد الناس، والدعوة إلى الإسلام مقدَّمة على كل شيء.

وأما الكفر الأصغر فلا يُزيل العصمة، ولكن يوجب زجر فاعله وتعزيره إن جاهر به، بعد نصحه وتعليمه.

5. الولاء والبراء

الكفر الأكبر يوجب البراءة من الكفر وأهله، ولا تجوز مودة من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب:

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]

مع جواز البر والإحسان والقسط مع غير المحاربين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8].

وأما صاحب الكفر الأصغر فيُحَبّ ويُوالى بقدر ما معه من الإيمان، ويُبغض بقدر ما فيه من العصيان؛ فقد يجتمع في الشخص الواحد موجب الحب وموجب البغض، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ» (متفق عليه: البخاري 660، ومسلم 1031).

6. الحكم بالردة

الكفر الأكبر إن أظهره صاحبه -وكان مسلمًا قبل ذلك- حُكم بردته، بعد ثبوت ذلك واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ويترتب على ذلك أحكام الردة في باب القضاء. وأما الكفر الأصغر فيوجب التعزير والتأديب فقط.

الحكم بردة شخص بعينه الأصل فيه المنع؛ حتى لا يتجاسر عليه الجهلة وصغار المتعالمين، وإنما يُرجع فيه إلى أهل العلم والقضاء، ببيّنة واضحة، وتوفر الشروط وانتفاء الموانع، والاستتابة وما يترتب عليها من اختصاص القضاء وولي الأمر وحدهم.

7. التحريم لذاته أو لكونه ذريعة

الكفر الأكبر محرّم لذاته، وأما الأصغر فمحرّم؛ لأنه ذريعة ووسيلة إلى الكفر الأكبر.

8. تعيين التوبة

الكفر الأكبر تلزم التوبة منه بعينه، وإظهار البراءة منه؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 160]، فاشترط البيان. فمن اعتقد مثلًا أن النجوم تتصرف في الكون وتُحدث المطر والموت والحياة، فتوبته أن يعترف ببطلان ذلك ويرجع عنه. ومن ذلك قول موسى عليه السلام لقومه حين عبدوا العجل: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54].

وأما الأصغر فالأفضل تعيين التوبة منه، لكنه يدخل في التوبة العامة النصوح؛ لأن العبد قد يقع فيه وهو لا يشعر:

عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ».

أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3731)

الفروق في جدول

وجه المقارنةالكفر الأكبرالكفر الأصغر
الخروج من الملةيُخرجلا يُخرج إلا بالاستحلال
حبوط العمليُحبط جميع الأعمال إن مات عليهيُنقص الأجر، وبعضه يُحبط العمل الذي خالطه
الخلود في الناريُخلّدلا يُخلّد
العصمةتزول عصمة الإسلاملا تزول
الموالاةتجب البراءةيُوالى بقدر إيمانه
الحكم في الدنياأحكام الردة عند القضاءالتعزير والتأديب
التوبةيلزم تعيينهاتكفي التوبة العامة

سلسلة: الكفر الاعتقادي أنواعه وأحكامه

هذا المقال هو الجزء الرابع من السلسلة، وهذه أجزاؤها:

  1. مقدمة: أهمية باب الاعتقاد وأعمال القلوب
  2. تعريف الإيمان عند أهل السنة
  3. بأي شيء يقع الكفر؟
  4. الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر (هذا المقال)
  5. خطورة التكفير وضوابطه
  6. أحوال الناس في التكفير: طرفان ووسط

الخلاصة

الكفر الأكبر مخرج من الملة، محبط للعمل، موجب للخلود، والكفر الأصغر كبيرة من الكبائر لا تُخرج من الملة، يُخاف على صاحبه، وتُرجى له المغفرة. والتفريق بينهما أصل من أصول الاعتدال في باب الأسماء والأحكام.