
اعلم -علّمك الله الخير والفقه في الدين- أن الكفر يقع بالاعتقاد القلبي، ويقع بقول اللسان، وبعمل الجوارح، كما يقع بالشك. فكما أن الإيمان مركّب من عمل القلب واللسان والجوارح، فضده الكفر يحصل بها مجتمعة أو منفردة، وهذا محل إجماع عند أهل السنة والجماعة.
.jpg)
الإيمان قول وعمل، والكفر كذلك
من المعلوم من دين الإسلام، ومما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، أن الإيمان قول وعمل: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان؛ ومنها ما هو أصل في الإيمان، ومنها ما هو مكمّل له كمالًا واجبًا أو مستحبًّا:
| النوع | من أمثلته |
|---|---|
| عمل القلب | الإخلاص، والقبول، والمحبة، واليقين، والخشوع، والتوكل، والخوف، والرجاء، والصبر، والرضا، والحياء، والتوبة |
| عمل اللسان | النطق بالشهادتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذكر، وقراءة القرآن، ومدارسة العلم |
| عمل الجوارح | الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، واتباع الجنائز، وعيادة المرضى، وإعانة الضعيف |
وكما يقع الإيمان بها مجتمعة، فكذلك الكفر يقع بها مجتمعة ومنفردة.
سبق تفصيل تعريف الإيمان في الجزء الثاني: تعريف الإيمان عند أهل السنة.
أولًا: الكفر بالاعتقاد القلبي
وصوره كثيرة جدًّا، منها:
من أنواع الردة العقدية التي يعتقدها بقلبه وإن لم يتكلم ولم يفعل: إذا اعتقد بقلبه أن الله جل وعلا فقير، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم ولو لم يفعل شيئًا، هذا كفر بمجرد هذه العقيدة بإجماع المسلمين. أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد بعث ولا نشور، أو أنه لا يوجد جنة ولا نار ولا حياة أخرى، أو شك في ذلك… أو اعتقد بقلبه أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم الأنبياء وأن بعده أنبياء… أو اعتقد أن نوحًا أو موسى أو عيسى أو أحدًا من الأنبياء كاذب، فهذا ردة عن الإسلام. أو اعتقد أنه لا بأس أن يُدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب، فإذا اعتقد بقلبه ذلك صار مرتدًّا عن الإسلام.
نقله سعيد بن وهف القحطاني في «نور الإسلام وظلمات الكفر» (ص 34)
ثانيًا: الكفر بالقول
ومن صوره:
- سبّ الله تعالى أو انتقاصه، كأن يصفه بالظلم أو البخل أو الفقر أو العجز أو الجهل، أو ينسب إليه ما لا يليق به من صفات النقص.
- سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم أو انتقاصه، أو رميه بما هو منه بريء، كالخيانة أو الكذب أو كتمان الرسالة.
- سبّ الأنبياء أو أحد منهم، أو سبّ الملائكة أو أحد منهم.
- رمي عائشة رضي الله عنها بما برّأها الله منه؛ لأنه تكذيب للقرآن.
- تكفير عامة الصحابة أو الطعن في عدالتهم جملة؛ لأنه تكذيب لما أثنى الله به عليهم.
- الاستهزاء بالله أو بآياته أو برسوله أو بشعائر الإسلام الظاهرة.
﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65–66]
سبّ آحاد العلماء والصالحين معصية كبيرة، ولا يكون كفرًا إلا إذا كان سبًّا لهم لأجل ما يحملونه من الدين، استهزاءً بالدين نفسه؛ فيُفرّق بين الأمرين.
ثالثًا: الكفر بعمل الجوارح
ومن صوره:
- الاستهانة بالمصحف الشريف، كتلطيخه بالنجاسة عمدًا، أو وطئه بالقدم استهانة به.
- السجود أو الصلاة أو الطواف تقرّبًا لغير الله من أصحاب القبور أو الجن.
- الذبح لغير الله تقربًا إليه، كالذبح لأصحاب القبور أو للجن أو للكواكب، وهو مما أُهلّ به لغير الله.
وأما دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة به، والنذر له، فمن الشرك القولي.
رابعًا: الكفر بالشك
يقع الكفر بالشك والتردد فيما يجب على العبد اليقين به:
مثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حق أم لا؟ أنا شاك، هذا كافر كفر شك. أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حق أم لا؟ أو قال: لا أدري هل الجنة والنار حق أم لا؟… ومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبة أم لا؟ والزكاة هل هي واجبة أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجب أم لا؟… فهذه الشكوك كلها كفر أكبر، يُستتاب صاحبها، ويُبيّن له الحق.
المصدر السابق (ص 36)
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]
تنبيهات مهمة
- هذه الصور أحكام على الأفعال والأقوال والاعتقادات، أما الحكم على شخص معيّن بالكفر فلا يكون إلا بعد توفر الشروط -كالعلم والقصد والاختيار- وانتفاء الموانع -كالجهل والتأويل والإكراه والخطأ- كما سيأتي في الجزء الخامس.
- الاستتابة وإقامة الأحكام المترتبة على الردة من وظائف القضاء الشرعي وولي الأمر، وليست لآحاد الناس بحال.
- من وقع في شيء من ذلك عن جهل فواجبه التعلم والتوبة، وواجب من علم حاله أن يعلّمه ويناصحه بالحكمة.
سلسلة: الكفر الاعتقادي أنواعه وأحكامه
هذا المقال هو الجزء الثالث من السلسلة، وهذه أجزاؤها:
- مقدمة: أهمية باب الاعتقاد وأعمال القلوب
- تعريف الإيمان عند أهل السنة
- بأي شيء يقع الكفر؟ (هذا المقال)
- الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر
- خطورة التكفير وضوابطه
- أحوال الناس في التكفير: طرفان ووسط
أسئلة شائعة
هل يمكن أن يكفر الإنسان بمجرد الاعتقاد دون قول أو عمل؟
نعم، إذا اعتقد ما يناقض أصل الإيمان، كتكذيب الرسول أو إنكار البعث، ولو لم يتكلم به.
هل كل من قال أو فعل مكفّرًا يُحكم بكفره؟
لا؛ فالحكم على المعيّن يتوقف على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ويرجع فيه إلى أهل العلم والقضاء.
الخلاصة
الكفر يقع بالاعتقاد وبالقول وبالعمل وبالشك، كما أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ويقين، لكن التفريق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل أصل عظيم يعصم من الغلو.


