جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الآداب والرقائق26 سبتمبر 2019
عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها: وقفات مع كلمة ابن القيم — إسماعيل العضامي

كم من شيء في يد الإنسان يظنه رصيدًا له، وهو في الحقيقة ضائع لا يعود عليه بنفع في دنياه ولا في آخرته! وقد جمع الإمام ابن القيم رحمه الله هذه الأشياء في كلمة قصيرة جامعة، تصلح أن تكون ميزانًا يزن به المسلم علمه وعمله وماله ووقته وقلبه.

عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها — ابن القيم

نص كلمة ابن القيم

عشرةُ أشياء ضائعةٌ لا يُنتفع بها: علمٌ لا يُعمَل به، وعملٌ لا إخلاصَ فيه ولا اقتداء، ومالٌ لا يُنْفَقُ منه فلا يَستمتِعُ به جامعُه في الدنيا ولا يُقدِّمُه أمامَه إلى الآخرة، وقلبٌ فارغٌ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدنٌ معطَّلٌ من طاعته وخدمته، ومحبةٌ لا تتقيَّدُ برِضى المحبوب وامتثال أوامره، ووقتٌ معطَّلٌ عن استدراك فارطٍ أو اغتنام برٍّ وقُربة، وفكرٌ يجولُ فيما لا ينفع، وخدمةُ من لا تُقرِّبُك خدمتُه إلى الله ولا تعودُ عليك بصلاح دنياك، وخوفُك ورجاؤُك لمن ناصيته بيد الله وهو أسيرٌ في قبضته، ولا يَملِك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.

وأعظمُ هذه الإضاعات إضاعتان هما أصلُ كلِّ إضاعة: إضاعةُ القلب، وإضاعةُ الوقت؛ فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل.

ابن القيم، الفوائد (ص 162، ط. عطاءات العلم)

شرح الأشياء العشرة

1. علم لا يُعمل به

العلم وسيلة لا غاية، فإذا لم يُثمر عملًا صار حجة على صاحبه لا له؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العلم الذي لا ينفع:

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».

أخرجه مسلم (2722) من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2–3]

2. عمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء

للعمل الصالح شرطان لا يُقبل إلا بهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا فُقد أحدهما ذهب العمل هباءً، كما قال تعالى في أعمال من لم يحقق ذلك:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23]

«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».

متفق عليه: البخاري (1)، ومسلم (1907)

«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

أخرجه مسلم (1718)

3. مال لا يُنفق منه

يجمعه صاحبه ويحرسه، فلا هو استمتع به في دنياه، ولا قدّمه لآخرته، ثم يتركه لغيره فيكون عليه حسابه ولغيره نفعه.

«يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي. وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ».

أخرجه مسلم (2958)

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]

4. قلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به

القلب خُلق ليعرف ربه ويحبه، فإذا خلا من ذلك امتلأ بغيره، وعاش صاحبه في وحشة مهما كثرت حوله الأسباب. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا…».

متفق عليه: البخاري (16)، ومسلم (43)

5. بدن معطَّل من طاعة الله وخدمته

الصحة رأس مال العبد، والجسد أمانة سيُسأل عنها؛ فمن عطّله عن الطاعة وهو قادر فقد أضاع أعظم نعمه.

«لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ».

أخرجه الترمذي (2417) وقال: حسن صحيح

6. محبة لا تتقيد برضا المحبوب وامتثال أوامره

المحبة الصادقة دليلها الطاعة، أما محبة يدّعيها صاحبها وهو مقيم على مخالفة محبوبه فدعوى بلا برهان. قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]

7. وقت معطَّل عن استدراك ما فات أو اغتنام برٍّ وقربة

الوقت هو العمر، وكل ساعة تمضي في غير طاعة ولا مصلحة لا تعود أبدًا.

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ».

أخرجه البخاري (6412)

8. فكر يجول فيما لا ينفع

الخواطر بذور الأعمال، فمن أطلق فكره في الأماني والفضول والوساوس حصد الغفلة والحسرة، ومن صرفه في آيات الله ومصالح دينه ودنياه حصد العلم والعمل.

«مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».

أخرجه الترمذي (2317) وابن ماجه (3976)

9. خدمة من لا تقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك

كمن يفني جهده في إرضاء الناس ومجاملتهم، أو في خدمة من يعينه على معصية، فلا هو ربح آخرة ولا أصلح دنيا. وكل صحبة لم تقم على التقوى تنقلب يوم القيامة عداوة:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]

10. خوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله

الخلق كلهم في قبضة الله، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يملكونه لغيرهم؟! فمن علّق خوفه ورجاءه بهم أضاع أشرف عبادات القلب.

«وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ».

أخرجه الترمذي (2516) وقال: حسن صحيح

أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت

ختم ابن القيم كلمته بأن هذه الإضاعات العشر ترجع إلى أصلين:

  • إضاعة القلب: وسببها إيثار الدنيا على الآخرة.
  • إضاعة الوقت: وسببها طول الأمل.

فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء الله. وهذا المعنى نفسه هو ما حذّر منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

إنّ أخوفَ ما أخاف عليكم اثنتان: اتباعُ الهوى، وطولُ الأمل؛ فأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة.

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وأبو نعيم في الحلية

كيف تنجو من هذه الإضاعات؟

  1. حاسب نفسك على علمك: ماذا عملت بما تعلم؟
  2. جدّد نيتك قبل كل عمل، واسأل عن السنة فيه.
  3. اجعل لمالك نصيبًا ثابتًا من الصدقة ولو قلّ.
  4. املأ قلبك بالذكر وتلاوة القرآن ومعرفة أسماء الله وصفاته.
  5. اجعل لكل يوم وِردًا من الطاعة يشغل وقتك وبدنك.
  6. اقطع خواطر الفضول قبل أن تصير همومًا وأعمالًا.
  7. اختر صحبتك على ميزان التقوى، وعلّق خوفك ورجاءك بالله وحده.

وانظر أيضًا: أسباب انشراح الصدر، ومن أخلاق السلف.

أسئلة شائعة

أين ذكر ابن القيم الأشياء العشرة الضائعة؟

ذكرها في كتابه «الفوائد»، في فصل قصير من فصول الحِكم والفوائد.

ما أعظم هذه الإضاعات؟

إضاعة القلب وإضاعة الوقت؛ لأنهما أصل كل إضاعة، فالأولى تنشأ من إيثار الدنيا، والثانية من طول الأمل.

ما شرط قبول العمل الذي يخرجه من الضياع؟

أن يكون خالصًا لله، صوابًا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة

هذه الكلمة الجامعة لابن القيم تُعلّمنا أن الضياع الحقيقي ليس في فقد المال أو الجاه، بل في علم لا يُعمل به، وعمل لا يُقبل، وقلب لا يعرف ربه، ووقت يمضي بلا زاد. فمن حفظ قلبه ووقته فقد حفظ كل شيء.

نُقلت الكلمة من «الفوائد» لابن القيم، مع شرح يسير وتخريج للأدلة.