
المؤمن بإيمانه وعقيدته وطاعته للرحمن تسمو أخلاقه، وتنبُل نفسه، وتعرج روحه إلى الملأ الأعلى؛ فأنفسٌ طوافها بإيمانها حول العرش، وأنفس طوافها بشهواتها حول الحُشّ! وهذه مقدمة سلسلة «من أخلاق السلف»، نطوف فيها حول هذه الأجيال المباركة في أخلاقهم وعطر كلامهم.

منزلة الأخلاق في الإسلام
الأخلاق سرّ هذه الأمة، وريحانة بستانها، ويانعة ثمارها.
قال عكرمة: «لكل شيء أساس، وأساس الإسلام الخلق الحسن».
وقال ابن سيرين: «كانوا يرون حسن الخلق عونًا على الدين».
ولتعرف شرف هذه الأمة تأمّل قول الله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
فكيف يكون شهيدًا على الناس إلا من كان عدلًا، قد نجا من ظنون الجاهلية، وأخلاق الوثنية، وظلمات الشرك؟! وتأمّل وصف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
فهنيئًا لمن سُقي من ورده، واغترف من حوضه، ونهل من عذبه:
أمة الأخلاق
ما من أمة بعثها الله لديها من الأخلاق الطيبة مثل ما عندنا؛ فسل الأمم عنا: كيف وفينا وما خُنّا، وكيف أعطينا وجُدنا وما بخلنا، وكيف بذلنا الأموال ومن قبلها الأرواح، وكيف صدقنا، وحفظنا الأمانة، وكيف دخلت أمم كثيرة في الإسلام بسبب رحمة شرعنا، وجميل أخلاق دعاته وتجاره، قبل أن تبلغها الجيوش. وما أجمل ما قاله الشاعر على لسان الأمة:
ما هو الخلق؟ وما حسن الخلق؟
الخلق: هيئة في النفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر ورويّة.
وللسلف عبارات في تعريف حسن الخلق، منها:
- قال الحسن البصري: «حسن الخلق: بسط الوجه، وبذل الندى، وكفّ الأذى».
- وقال علي رضي الله عنه: «حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال».
- وقال شاه الكرماني: «هو كفّ الأذى واحتمال المؤن».
- وقال بعضهم: «هو أن يكون من الناس قريبًا، وفيما بينهم غريبًا».
- وسُئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال: «أدناه الاحتمال، وترك المكافأة، والرحمة للظالم، والاستغفار له، والشفقة عليه».
- وقال الواسطي: «هو ألا يُخاصِم ولا يُخاصَم من شدة معرفته بالله تعالى».
روضة الأحاديث في مكارم الأخلاق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».
رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد
وقالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ».
رواه مسلم (746)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا».
متفق عليه
وقال: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
رواه أبو داود والترمذي
وقال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ».
رواه مسلم (2553)
وقال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا».
رواه الترمذي (2018)
وقال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ».
رواه أبو داود (4798)
وقال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ».
رواه أبو داود والترمذي
وقال: «حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ».
رواه أحمد
وقال: «إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».
رواه الطبراني والحاكم
وقال: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ».
رواه الترمذي (1977)
وقال: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا».
رواه مسلم (2597)
ورُوي في تفسير قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] أن حسن الخلق: «أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك».
أقوال السلف في حسن الخلق
فالأخلاق صورة العقل، وميزان الإيمان، فإذا استقينا من السلف أخلاقهم، واقتفينا في العبادة آثارهم، كنا على الصراط مستقيمين:
- قال عمر رضي الله عنه: «خالطوا الناس بالأخلاق، وزايلوهم بالأعمال».
- وسُئل ابن عباس رضي الله عنهما: ما الكرم؟ فقال: هو ما بيّن الله في كتابه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. قيل: فما الحسب؟ قال: «أحسنكم خلقًا أفضلكم حسبًا».
- وقال عبد الرحمن بن مهدي: «ليتّقِ الرجل دناءة الأخلاق كما يتقي الحرام».
- وقال يحيى بن معاذ: «في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق».
- وقال مكحول: «المؤمنون هيّنون ليّنون، مثل الجمل الأنِف، إن قِدته انقاد، وإن أنخته على صخرة استناخ».
- وقال عون بن عبد الله: «المؤمن موالف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف».
- وقال محمد بن علي بن الحسين: «من أُعطي الخلق والرفق فقد أُعطي الخير كله والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حُرم الرفق والخلق كان ذلك له سبيلًا إلى كل شر وبلية، إلا من عصمه الله».
- وقال الجنيد: «أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قلّ عمله وعلمه: الحلم، والتواضع، والسخاء، وحسن الخلق، وهو كمال الإيمان».
أبو سليمان الداراني وأدب المجالسة
قال أبو سليمان الداراني: «لربما حدّثني الرجل بالحديث وأنا أعلم به منه، فأُنصت له كأني ما سمعته، ولربما مشيت إلى الرجل وهو أولى بالمشي مني إليه، ولقد كنت أنظر إلى الأخ من إخواني فما يفارق كفّي كفّه، أجد طعم ذلك في قلبي».
من ساء خلقه عذّب نفسه
- قال الحسن: «من ساء خلقه عذّب نفسه».
- وقال وهب بن منبه: «مثل السيئ الخلق كمثل الفخّارة المكسورة، لا تُرقَّع، ولا تُعاد طينًا».
- وقال الفضيل: «لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبّ إليّ من أن يصحبني عابد سيئ الخلق».
- وصحب ابن المبارك رجلًا سيئ الخلق في سفر، فكان يحتمل منه ويداريه، فلما فارقه بكى، فقيل له في ذلك، فقال: «بكيته رحمةً له؛ فارقته وخلقه معه لم يفارقه!».
- وقال يحيى بن معاذ: «سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا تضرّ معها كثرة السيئات».
الخلاصة
- حسن الخلق أساس الإسلام، وبه بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليتمّمه.
- من تعريفاته: بسط الوجه، وبذل الندى، وكفّ الأذى.
- أثقل شيء في الميزان حسن الخلق، وبه يدرك المؤمن درجة الصائم القائم.
- كان السلف يتّقون دناءة الأخلاق كما يتّقون الحرام، ويرون سوء الخلق عذابًا لصاحبه.
اقرأ أيضًا: تسعة أسباب لسلامة الصدر — قواعد في الصبر على أذى الناس


