جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

حياة المؤمن بين الخوف والرجاء: كيف توازن بينهما؟ مع أقوال السلف — إسماعيل العضامي

الخوف والرجاء جناحا المؤمن في سيره إلى الله تعالى، بهما يطير، فإذا انكسر أحدهما اختلّ سيره؛ فمن غلب عليه الخوف وحده وقع في القنوط واليأس، ومن غلب عليه الرجاء وحده وقع في الأمن من مكر الله والتفريط في العمل.

المؤمن طبيب نفسه بين الخوف والرجاء

ينبغي للمؤمن أن يعيش بين الخوف والرجاء، فيكون طبيب نفسه:

  • فإن رأى في نفسه خمولًا وكسلًا وغفلة وتفريطًا، حاسبها وزمّها وساقها إلى الله تعالى بسياط الخوف.
  • وإن رأى غلبة الخوف الشديد عليها حتى خشي عليها القنوط، أنعشها بالرجاء وحسن الظن بربه؛ ولا سيما عند نزول الفواجع، وغشيان مدلهمّات الأمور، فيجمع قلبه على ربه رجاءً ورغبة فيما عنده من الفرج والتيسير والنصرة والتأييد.

وقد أثنى الله على أنبيائه بالجمع بين الرغبة والرهبة، فقال:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]

حياة المؤمن بين الخوف والرجاء

وقال تعالى في وصف عباده المقربين:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]

أقوال السلف في الجمع بين الخوف والرجاء

عمر بن الخطاب: لو نادى منادٍ من السماء

عن يحيى بن أبي كثير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون هو، ولو نادى منادٍ: أيها الناس، إنكم داخلون النار إلا رجلًا واحدًا، لرجوت أن أكون هو».

حلية الأولياء (1/ 73)

مطرّف: لو وُزنا لوُجدا سواء

وعن سفيان قال: قال مطرّف رحمه الله: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لوُجدا سواءً، لا يزيد أحدهما على صاحبه».

حلية الأولياء (1/ 363)

يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم

قال يحيى بن معاذ رحمه الله: «مسكين ابن آدم! لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة، ولو رغب في الجنة كما يرغب في الغنى لفاز بهما جميعًا، ولو خاف الله في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعًا».

وكان من دعائه رحمه الله:

«اللهم إن كان ذنبي قد أخافني، فإن حسن ظني بك قد أجارني. اللهم سترت عليّ في الدنيا ذنوبًا أنا إلى سترها في القيامة أحوج، وقد أحسنت بي إذ لم تُظهرها لعصابة من المسلمين، فلا تفضحني في ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين».

وفيات الأعيان لابن خلكان (6/ 167)

طاووس: أجمع لك التوراة والإنجيل والزبور والفرقان

عن عبد الله الشامي قال: أتيت طاووسًا رحمه الله، فخرج إليّ ابنه شيخ كبير، فقلت: أنت طاووس؟ فقال: أنا ابنه. قلت: فإن كنت ابنه فإن الشيخ قد خرف! فقال: إن العالم لا يخرف. فدخلت عليه، فقال لي طاووس: سل وأوجز. قلت: إن أوجزتَ أوجزتُ لك. قال: تريد أن أجمع لك في مجلسي هذا التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟ قلت: نعم.

قال: «خف الله تعالى مخافةً لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارجه رجاءً هو أشد من خوفك إياه، وأحبّ للناس ما تحب لنفسك».

حلية الأولياء (2/ 30)

السري السقطي: أخوف ما يكون وآمن ما يكون

قال السري السقطي رحمه الله: «ينبغي للعبد أن يكون أخوف ما يكون من الله، آمن ما يكون من ربه».

حلية الأولياء (3/ 287)

متى يُغلّب الخوف ومتى يُغلّب الرجاء؟

ذكر أهل العلم أن الأصل أن يكون العبد معتدلًا بين الخوف والرجاء، ثم قد يُغلّب أحدهما بحسب حاله:

  • في حال الصحة والقوة والإقبال على الدنيا: يُغلّب الخوف؛ ليزجر نفسه عن المعاصي، ويحثها على العمل.
  • عند المرض والضعف ونزول الموت: يُغلّب الرجاء وحسن الظن بالله.

عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

رواه مسلم (2877)

  • عند الوقوع في الذنب: يجتمع الأمران؛ يخاف عاقبة ذنبه فيتوب، ويرجو مغفرة ربه فلا يقنط، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].

والرجاء المحمود هو ما كان معه عمل، أما الرجاء مع الإصرار على المعصية وترك الطاعة فهو أمانيّ وغرور، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218]

الخلاصة

  • الخوف والرجاء جناحا المؤمن، ولا يستقيم سيره إلى الله إلا بهما معًا.
  • يحاسب المؤمن نفسه بالخوف إذا رأى منها غفلة وتفريطًا، ويُنعشها بالرجاء إذا خشي عليها القنوط.
  • كان السلف يجمعون بين الخوف الشديد والرجاء العظيم، كما في أثر عمر ومطرف وطاووس.
  • يُغلّب الخوف في الصحة، ويُغلّب الرجاء وحسن الظن عند المرض والموت.
  • الرجاء الصادق ما صحبه العمل، وما خلا عن العمل فهو أماني.

اقرأ أيضًا: ثمانية فروق بين الابتلاء والعقوبة — شروط التوبة