
ليس العلم كثرة الرواية وحفظ المتون فحسب، بل هو نور يصلح به القلب، وتستقيم به الجوارح. ولهذا كان السلف يتعلمون الأدب قبل العلم، ويرون أن العلم بلا أدب وبال على صاحبه. وفي هذا المقال بيان منزلة التزكية والأدب في شخصية طالب العلم، مع أقوال الأئمة وآداب عملية لطالب العلم.
التزكية من مقاصد الرسالة المحمدية
من أعظم مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تزكية النفوس وتطهير القلوب من الأخلاق الرديئة، وقد قرن الله التزكية بتعليم الكتاب والحكمة في مواضع من كتابه، فقال:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]
وهي دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9–10].
معنى التزكية والأدب
التزكية، والأخلاق، والأدب، والتربية، وعلم السلوك، وأعمال القلوب: ألفاظ متقاربة لمعنى واحد، عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، وهو أجمل تعبير؛ إذ التزكية من الزكاء، وهو النماء والزيادة والطهارة؛ فالمسلم لا يزداد بالتزكية إلا ثباتًا ويقينًا ورفعة.
قال ابن القيم رحمه الله: أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب.
مدارج السالكين
عناية العلماء بالأدب تصنيفًا وتعليمًا
اهتم العلماء بالأدب اهتمامًا كبيرًا، وأفردوه بالتصنيف:
- عقد الإمام البخاري في صحيحه «كتاب الأدب»، وأفرد له كتاب «الأدب المفرد».
- وصنف ابن مفلح «الآداب الشرعية»، والسفاريني «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب».
- وكانت في المجتمع الإسلامي وظيفة «المؤدِّب»؛ فكان ابن أبي الدنيا مؤدب أولاد الخلفاء، والكسائي مؤدب الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد.
أقوال السلف في تقديم الأدب على العلم
قال الحسن البصري: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين. وقال سفيان الثوري: كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب وتعبّد قبل ذلك عشرين سنة.
وقال الإمام مالك لفتى من قريش: يا ابن أخي، تعلّم الأدب قبل أن تتعلم العلم. وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث.
وقال بعضهم لابنه: يا بني، لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إليّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم. وقال بعض الحنابلة: أدب النفس ثم أدب الدرس.
وقال عبد الله بن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.
السلف كانوا ينظرون إلى سمت الشيخ قبل الأخذ عنه
قال إبراهيم النخعي: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه. وقال محمد بن سيرين: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
قول ابن سيرين في مقدمة صحيح مسلم
وقال الإمام مالك: رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعدًا في فناء زمزم، فكان إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه.
وذكر البرهان البقاعي أن رجلًا سأله أن يقرأ عليه فأذن له، فجلس أمامه متربعًا، فامتنع من إقرائه وقال: أنت أحوج إلى الأدب منك إلى العلم الذي جئت تطلبه؛ لأنه لم يجلس جلسة المتعلم التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام حين أسند ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم.
الأدب سبب لبركة العلم
الأدب مع العلم وأهله سبب لبركته والانتفاع به، قال ابن جريج: لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به. وكان يقال: حسن الأدب يطفئ غضب الرب. وقال البوشنجي: من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله.
وقال ابن شهاب الزهري: إن هذا العلم أدب الله الذي أدّب به نبيه صلى الله عليه وسلم، وأدّب النبي صلى الله عليه وسلم أمته، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أُدّي إليه.
وقال سفيان بن عيينة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء: على خلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل.
آداب عملية لطالب العلم
- الإخلاص وتصحيح النية في طلب العلم، وأن يريد به وجه الله ورفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
- العمل بالعلم، فإن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
- توقير الشيخ وحسن الجلوس بين يديه والإنصات له، وترك مقاطعته.
- حسن السؤال، والتلطف فيه، وترك المراء والجدال.
- التواضع وترك العُجب بما حصّل، ونسبة الفضل إلى الله.
- حفظ الوقت وترك مجالس اللغو.
- الرفق بالشيخ وعدم الإثقال عليه، واختيار الوقت المناسب للسؤال.
- الاقتداء بسمت أهل العلم في عبادتهم وأخلاقهم، لا في علمهم فقط.
الخلاصة
التزكية مقصد عظيم من مقاصد الرسالة، والأدب عنوان سعادة المرء وفلاحه، ولذلك قدّمه السلف على العلم، ولم يأخذوا العلم إلا عمن ظهر أثر علمه في سمته وعبادته. والأدب مع العلم وأهله سبب لبركته، والتهاون فيه طريق إلى الحرمان.
أسئلة شائعة
لماذا قدّم السلف تعلم الأدب على العلم؟
لأن العلم بلا أدب قد يورث الكبر والعُجب والجدال، أما الأدب فيهيئ القلب لقبول العلم والانتفاع به والعمل به.
ما أهم كتب الآداب الشرعية؟
من أشهرها: كتاب الأدب في صحيح البخاري، والأدب المفرد للبخاري، والآداب الشرعية لابن مفلح، وغذاء الألباب للسفاريني، وفي أدب طالب العلم: «تذكرة السامع والمتكلم» لابن جماعة، و«حلية طالب العلم» للشيخ بكر أبو زيد.
هل الأدب مع الشيخ يعني تقليده في كل شيء؟
لا، الأدب توقير واحترام وحسن تلقٍّ، أما الحق فيُتبع بدليله، والعالم يصيب ويخطئ.
وانظر: أشرف عضو في الإنسان: منزلة القلب وأعماله، وفوائد النوافل.


