جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

أشرف عضو في الإنسان: أربعة عشر سببًا تبيّن منزلة القلب وأعماله — إسماعيل العضامي

إذا سُئلت: ما أشرف عضو في الإنسان؟ فالجواب: القلب. فهو موضع الإيمان والنية، وعليه مدار صلاح العبد وفساده، ولأجله جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تأمر بإصلاحه وتطهيره. وفي هذا المقال أربعة عشر سببًا تبيّن لماذا كان القلب أشرف أعضاء الإنسان، ولماذا ينبغي أن يكون أول ما يعتني به المسلم.

1. القلب ملك الجوارح

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

متفق عليه: البخاري (52) ومسلم (1599)

فالجوارح جنود القلب، تتبع أمره، فإن صلح الملك صلحت جنوده، وإن فسد فسدت.

أشرف عضو في الإنسان

2. من عرف قلبه ازداد افتقارًا إلى ربه

أكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، وحاجة الإنسان إلى ربه في تثبيت قلبه أشد من حاجته إلى الماء والهواء؛ لسرعة تقلّب القلب وتغيّره، وما سمي القلب قلبًا إلا لكثرة تقلّبه.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ».

رواه مسلم (2654)

فإذا علم الإنسان هذا عن قلبه الذي تتوقف عليه نجاته، ازداد تعلقًا بربه وانكسارًا بين يديه.

3. فلاح العبد متوقف على سلامة قلبه

قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88–89].

4. القلب محل نظر الله من العبد

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».

رواه مسلم (2564)

5. أعمال القلوب أصول العبادات

فأصول الإيمان والاعتقاد كلها في القلب، كالتوحيد، والإخلاص، والاستسلام، والخشوع، والمحبة، والخوف، والرجاء، والولاء والبراء؛ وإنما أعمال الجوارح ترجمة لما يُكنّه القلب من اعتقادات وأحوال.

6. خفاء أمراض القلوب

أمراض الأبدان ظاهرة يمكن اكتشافها والوقوف على أسبابها غالبًا عند ظهورها، أما أمراض القلوب فقد تخفى حتى على صاحبها. قال الله تعالى في النفاق -وهو أعظم أمراض القلوب-: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]، وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 3].

7. غفلة كثير من الناس عن قلوبهم

أكثر الناس منصرفون عن النظر في قلوبهم ورعايتها وعلاج أمراضها، قد غرّتهم زينة الدنيا، وشغلتهم شهواتها العاجلة. فاجتمع على العبد أمران: خفاء أمراض قلبه ودقتها، وانصرافه عن مراقبة قلبه وملاحظة تغيره.

8. صعوبة علاج أمراض القلب

قد يوفَّق العبد إلى معرفة مرض قلبه، لكنه إذا أراد علاجه استصعبه أول الأمر، فربما ضجر وترك العلاج.

قال يوسف بن الحسين: أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر. وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلّب عليّ. وقال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

مدارج السالكين (2/96)، وجامع العلوم والحكم

وليس معنى ذلك أن علاج القلب مستحيل، بل هو يسير على من يسّره الله عليه، ويسهل بعد صعوبته إذا رأى الله من عبده صدق المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

9. اليسير من مرض القلب يضر صاحبه

فما ظنك بالكثير منه؟! وخذ مثلًا مرض الكبر:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».

رواه مسلم (91)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

متفق عليه: البخاري (5789) ومسلم (2088)

10. العمل اليسير يعظم أجره بعمل القلب

إذا اقترن بالعمل الصالح اليسير عملُ القلب من الخشية والخضوع والتواضع والمحبة والتعظيم عظم أجره وثوابه، وإذا خلا منه نقص أجره ولو كثر.

عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا».

رواه أبو داود (796) وأحمد

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وقيل لبعض السلف: الحاج كثير، فقال: الداجّ كثير، والحاج قليل.

ومن أعظم الأمثلة على ذلك:

حديث البطاقة: «يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ… فَتَخْرُجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ… فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ».

رواه الترمذي (2639) وابن ماجه (4300) من حديث عبد الله بن عمرو

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».

متفق عليه: البخاري (652) ومسلم (1914)

وفي الصحيحين أن امرأة بغيًّا من بغايا بني إسرائيل رأت كلبًا في يوم حار يُطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فسقته، فغُفر لها.

متفق عليه: البخاري (3467) ومسلم (2245)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أجمع المسلمون على أن مجرد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادة ولا طاعة لله، وأن كل عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له.

الرد على الشاذلي (ص: 65)

11. المعصية يعظم وزرها بمشاركة القلب

قد يقترن بالمعصية جحود القلب أو استهانته أو استهزاؤه، فيعظم إثمها، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».

متفق عليه: البخاري (3482) ومسلم (2242)

12. عبادات القلب أعظم أجرًا وأثرًا

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكّر ساعة خير من قيام ليلة. وقيل لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار.

فعبادة القلب أبعد عن الرياء والسمعة، فيعظم أجرها بإخلاص صاحبها، وهي التي توصل العبد إلى مرتبة الإحسان التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» رواه مسلم (8).

13. العبد يبلغ الأجر بنيته وإن عجز عن العمل

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا».

رواه مسلم (128)

وللتفصيل في هذه المسألة انظر: حسنة واحدة أم عشر حسنات؟ أجر من نوى العمل ولم يعمله.

14. أعمال القلوب لا حدّ لها

أعمال الجوارح لها حد معلوم ووقت معلوم، أما أعمال القلوب -حسنات كانت أو سيئات- فليس لها حد تنتهي إليه؛ فمحبة الله وخشيته ورجاؤه والانكسار بين يديه لا نهاية لها، والعبد يترقى فيها ما دام حيًّا.

الخلاصة

القلب ملك الأعضاء، ومحل نظر الرب، وموضع الإيمان والنية، وبسلامته يكون الفلاح يوم القيامة. وأمراضه خفية دقيقة، وعلاجها شاق في أوله يسير على من صدق، وأعماله أصل الأعمال كلها ومضاعِفة أجورها. فحقيق بالمسلم أن يجعل إصلاح قلبه أول همه، وأن يكثر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».

أسئلة شائعة

لماذا سمي القلب قلبًا؟

لكثرة تقلّبه وتغيّره؛ ولذلك كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».

ما أعظم أمراض القلوب؟

أعظمها الشرك والنفاق، ثم الكبر والرياء والحسد والعجب وحب الدنيا، وكلها تخفى على صاحبها ما لم يتفقد قلبه.

كيف أصلح قلبي؟

بالإخلاص، وكثرة ذكر الله وتلاوة القرآن بتدبر، والدعاء بالثبات، ومجالسة الصالحين، ومحاسبة النفس، والبعد عن المعاصي التي تُقسّي القلب.

شاهد الدرس مرئيًّا