
قال الله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
فهذه الأمة وسط بين الأمم، وأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام، كما أن الإسلام وسط بين الملل. وفي هذا المقال بيان معنى هذه الوسطية، ومواضعها في أبواب الاعتقاد الكبرى.
معنى الوسطية
المراد بكون عقيدة أهل السنة وسطًا ثلاثة معانٍ متلازمة:
- أنها أفضل العقائد وخيرها؛ فأوسط الشيء أعلاه وخياره.
- أنها أعدل العقائد؛ فالوسط العدل.
- أنها لا إفراط فيها ولا تفريط؛ فهي بين الغلو والجفاء.

أولًا: في باب صفات الله بين المعطلة والممثلة
- أهل التعطيل نفوا عن الله ما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
- أهل التمثيل أثبتوا الصفات لكنهم جعلوها كصفات المخلوقين.
- أهل السنة أثبتوا لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]؛ فقوله «ليس كمثله شيء» رد على الممثلة، وقوله «وهو السميع البصير» رد على المعطلة.
ثانيًا: في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية
- الجبرية أتباع الجهم بن صفوان، قالوا: العبد مجبور على فعله، لا اختيار له، كالريشة في مهب الريح.
- القدرية أتباع معبد الجهني ومن وافقهم، قالوا: العبد هو الخالق لأفعاله بمشيئته وقدرته، دون مشيئة الله وخلقه.
- أهل السنة قالوا: الله خالق العباد وأفعالهم، والعباد فاعلون حقيقة، لهم قدرة ومشيئة، والله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، وأثبتوا للعبد مشيئة تابعة لمشيئة الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].
ثالثًا: في باب الوعيد بين الوعيدية والمرجئة
- الوعيدية من المعتزلة والخوارج قالوا: يجب على الله عقلًا أن يعذّب العاصي كما يجب عليه أن يثيب الطائع، فمن مات على كبيرة ولم يتب منها فهو مخلد في النار.
- المرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
- أهل السنة قالوا: مرتكب الكبيرة إن لم يستحلها فهو تحت مشيئة الله إن مات ولم يتب، إن شاء عفا عنه برحمته، وإن شاء عذبه بعدله بقدر ذنبه، ثم يخرجه من النار ولا يخلد فيها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
رابعًا: في باب أسماء الإيمان والدين وأحكامها
المراد بأسماء الدين: الأوصاف التي يوصف بها الناس، كمسلم ومؤمن وكافر وفاسق، والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة. وأهل السنة في هذا الباب وسط بين الخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة والجهمية من جهة أخرى:
- الخوارج قالوا: لا يسمى مؤمنًا إلا من أدى جميع الواجبات واجتنب جميع الكبائر، ومن أتى كبيرة كفر في الدنيا، وهو في الآخرة مخلد في النار إن لم يتب.
- المعتزلة وافقوا الخوارج في أمرين: نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وتخليده في النار. وخالفوهم في أمرين: فلم يسموه كافرًا، بل قالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، ولم يستحلوا دمه وماله كما استحلته الخوارج.
- المرجئة قالوا: الإيمان مجرد التصديق بالقلب -أو هو مع قول اللسان عند بعضهم- والأعمال ليست من مسماه، ولا يزيد ولا ينقص، ففاعل الكبيرة عندهم كامل الإيمان.
- الجهمية وافقوا غلاة المرجئة، بل جعلوا الإيمان مجرد المعرفة بالقلب؛ والجهم بن صفوان هو الذي جمع بدع التعطيل والجبر والإرجاء، كما ذكر ابن القيم رحمه الله.
- أهل السنة قالوا: الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ومرتكب الكبيرة عندهم مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق ولا يُسلب مطلق الاسم، وحكمه في الآخرة تحت المشيئة، ولا يخلد في النار.
خامسًا: في باب الصحابة وآل البيت بين الروافض والنواصب والخوارج
- الروافض غلوا في علي رضي الله عنه وآل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة، ولا سيما الخلفاء الثلاثة، وطعنوا فيهم.
- الخوارج كفّروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة رضي الله عنهم.
- النواصب نصبوا العداوة لآل البيت وطعنوا فيهم.
- أهل السنة يحبون آل البيت ويتولونهم ولا يغلون فيهم، ويحبون الصحابة جميعًا ويترضون عنهم، ولا يكفرون أحدًا منهم، ويكفّون عما شجر بينهم، ويقولون كما قال الله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
سادسًا: في باب العبادات بين أهل الغلو وأهل الجفاء
- أهل الغلو من الروافض وغلاة الصوفية تعبّدوا لله بما لم يشرعه من الأذكار والأوراد والتوسلات البدعية، وإقامة الأعياد والاحتفالات المحدثة، والبناء على القبور والطواف بها والتوجه إليها.
- أهل الجفاء من الطوائف الباطنية كالنصيرية والدروز أسقطوا عن أنفسهم التكاليف، فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون.
- أهل السنة يعبدون الله بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه، ولا يبتدعون في دين الله ما ليس منه. وانظر: ستة ضوابط تعرف بها أن العمل بدعة.
الخلاصة: جدول وسطية أهل السنة والجماعة
| الباب | طرف الإفراط | طرف التفريط | قول أهل السنة |
|---|---|---|---|
| صفات الله | الممثلة: شبّهوا الله بخلقه | المعطلة: نفوا الصفات | إثبات بلا تمثيل ولا تعطيل |
| أفعال العباد | الجبرية: العبد مجبور | القدرية: العبد يخلق فعله | الله خالق، والعبد فاعل حقيقة |
| الوعيد | الوعيدية: تخليد صاحب الكبيرة | المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب | تحت المشيئة، ولا يخلد في النار |
| الإيمان وأحكامه | الخوارج والمعتزلة: سلب الإيمان | المرجئة والجهمية: كامل الإيمان | مؤمن ناقص الإيمان، فاسق بكبيرته |
| الصحابة وآل البيت | الروافض: غلوا في آل البيت | النواصب والخوارج: عادوا وكفّروا | محبة الجميع والكف عما شجر بينهم |
| العبادات | غلاة الصوفية والروافض: البدع | الباطنية: إسقاط التكاليف | الاتباع بلا زيادة ولا نقصان |
أسئلة شائعة
من هم أهل السنة والجماعة؟
هم المتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الاعتقاد والعمل، سُموا «أهل السنة» لاتباعهم السنة، و«الجماعة» لاجتماعهم على الحق وعدم تفرقهم فيه.
ما حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة؟
هو مؤمن ناقص الإيمان، لا يكفر بكبيرته ما لم يستحلها، وإن مات ولم يتب فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار.
هل الوسطية تعني التنازل عن بعض الحق؟
لا، الوسطية الشرعية هي الحق نفسه بين طرفي الغلو والتقصير، وليست منزلة بين الحق والباطل.


