
كثيرًا ما يدعو المؤمن ربه في شدة نزلت به، فيلحّ في الدعاء، ثم تتأخر الإجابة، فتقلق نفسه وتضطرب. وقد مرّ الإمام ابن الجوزي رحمه الله بهذه الحال، فحاور نفسه حوارًا نفيسًا سجّله في كتابه «صيد الخاطر»، ذكر فيه خمسة أجوبة تطمئن بها القلوب.

حين قلقت النفس لتأخر الإجابة
قال ابن الجوزي رحمه الله:
«نزلت بي شدة، وأكثرت من الدعاء أطلب الفرج والراحة، وتأخرت الإجابة، فانزعجت النفس وقلقت، فصحت بها: ويلك! تأمّلي أمرك؛ أمملوكة أنت أم مالكة؟ أمدبَّرة أنت أم مدبِّرة؟».
الجواب الأول: الدنيا دار ابتلاء
«أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء واختبار؟ فإذا طلبتِ أغراضك ولم تصبري على ما ينافي مرادك فأين الابتلاء؟ وهل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد؟ فافهمي معنى التكليف، وقد هان عليك ما عزّ، وسهل ما استصعب». قال: «فلما تدبّرَت ما قلته سكنت بعض السكون».
الجواب الثاني: أنتِ مملوكة تطالبين المالك
«وعندي جواب ثانٍ، وهو: أنك تقتضين الحق بأغراضك، ولا تقتضين نفسك بالواجب له، وهذا عين الجهل، وإنما كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس؛ لأنك مملوكة، والمملوك العاقل يطالب نفسه بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى». قال: «فسكنت أكثر من ذلك السكون».
الجواب الثالث: المعاصي تسدّ طريق الإجابة
«وعندي جواب ثالث، وهو: أنك قد استبطأت الإجابة وأنت سددت طرقها بالمعاصي، فلو قد فتحت الطريق أسرعت. كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى؟! أوَما سمعت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾؟ أوَما فهمت أن العكس بالعكس؟ آهٍ من سُكر غفلة صار أقوى من كل سَكر في وجه مياه المراد، يمنعها من الوصول إلى زرع الأماني!». قال: «فعرفت النفس أن هذا حق فاطمأنت».
الجواب الرابع: لعل فيما تطلبين ضررك
«وعندي جواب رابع، وهو: أنك تطلبين ما لا تعلمين عاقبته، وربما كان فيه ضررك، فمثلك كمثل طفل محموم يطلب الحلوى، والمدبّر لك أعلم بالمصالح، كيف وقد قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾». قال: «فلما بان الصواب للنفس في هذه الإجابة زادت طمأنينتها».
الجواب الخامس: المنع عطاء
«وعندي جواب خامس، وهو: أن هذا المطلوب ينقص من أجرك، ويحطّ من مرتبتك، فمنع الحق لك ما هذا سبيله عطاءٌ منه لك، ولو أنك طلبت ما يُصلح آخرتك كان أولى لك، فأولى لك أن تفهمي ما قد شرحت». فقالت: «لقد سرحتُ في رياض ما شرحت، فهِمتُ إذ فهَّمت».
صيد الخاطر لابن الجوزي (ص: 220)
صور إجابة الدعاء في السنة
ومما يزيد هذه الأجوبة وضوحًا أن الدعاء لا يضيع أبدًا، وأن الإجابة لها صور:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». قالوا: إذن نكثر، قال: «اللَّهُ أَكْثَرُ».
رواه أحمد (11133)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي».
متفق عليه
الخلاصة
- تأخر الإجابة من الابتلاء الذي يُمتحن به صبر العبد.
- العبد مملوك، فليطالب نفسه بحق الله قبل أن يطالب ربه بأغراضه.
- المعاصي تسدّ طرق الإجابة، والتقوى تفتحها.
- قد يكون في المطلوب ضرر لا يعلمه العبد، والله أعلم بمصالحه.
- المنع قد يكون عطاءً، والدعاء لا يضيع: إما أن يُعجَّل، أو يُدَّخر، أو يُصرف به سوء.
- من آفات الدعاء الاستعجال وترك الدعاء.
اقرأ أيضًا: ثمانية فروق بين الابتلاء والعقوبة


