
يهتم الناس بأبدانهم إذا مرضت، فيسارعون إلى الأطباء، ويبذلون في الدواء ما يملكون، وقليل منهم من يلتفت إلى مرض قلبه، وهو أخطر وأعظم أثرًا. وقد صوّرت هذا المعنى قصيدة ذائعة، يبثّ فيها الشاعر شكواه للطبيب، لكنها ليست شكوى من تعب الجسد، وإنما من التقصير في جنب الله تعالى. وهي رسالة لكل قارئ: أن يكون اهتمامه بمرض قلبه وإيمانه أعظم من اهتمامه بمرض أعضائه وجسده.

فكرة القصيدة
يدخل الشاعر على الطبيب، فيسأله الطبيب عن شكواه، فيجيبه بأن حاله أبلغ من مقاله، وأنه جاء وهو يعلم أن ما به ليس مما يملك الأطباء علاجه. ثم يقلب مشهد الفحص الطبي كله إلى محاسبة للنفس:
- يفتح فمه للطبيب ليرى حلقه، فيسأله: هل دخل هذا الجوفَ حلالٌ أم حرام؟
- يكشف عن صدره، فيسأله: هل يُسمع في هذا الصدر تلاوة للقرآن؟
- يوضع مقياس الحرارة في فمه، فيسأل عن حرارة الإيمان: أمرتفعة هي أم فاترة؟
- يشخّص الطبيب التهابًا ورشحًا، فيقول: ما أجبت عن سؤالي؛ فسقمي من مقارفة الخطايا، لا من الزكام والسعال.
ثم يختم بسؤال لا جواب له عند الأطباء: ما علاج ذنبٍ صار فوق الرأس كالجبال؟
وهذه المعاني كلها لها أصل في الكتاب والسنة، وإليك بيانها.
القلب يمرض كما يمرض البدن
ذكر الله تعالى مرض القلوب في مواضع كثيرة من كتابه، فقال عن المنافقين:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]
وبيّن أن النجاة يوم القيامة معلّقة بسلامة القلب:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88–89]
وقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفق عليه
فمرض البدن غايته أن ينتهي بالموت، وقد يكون لصاحبه كفارة ورفعة، أما مرض القلب فعاقبته خسارة الآخرة إن لم يتداركه صاحبه. وانظر مقال: أشرف عضو في الإنسان: منزلة القلب وأعماله.
الوقفة الأولى: هل أكلتُ من الحلال؟
أول ما سأل عنه الشاعر: المطعم؛ لأن طيب المطعم أصل في صلاح القلب وقبول العمل وإجابة الدعاء.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟».
رواه مسلم (1015)
وللتوسع انظر: أكل الحلال: أقوال السلف في طيب المطعم.
الوقفة الثانية: هل في الصدر قرآن؟
القرآن شفاء القلوب، ومن خلا صدره منه فقد حُرم أعظم الدواء، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]
الوقفة الثالثة: كم حرارة الإيمان؟
الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو يحتاج إلى تجديد وتعاهد كما يحتاج البدن إلى الغذاء.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ».
رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير، وحسّن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 52)
ومعنى «يخلق»: يبلى ويضعف. فمن وجد من قلبه فتورًا عن الطاعة، وقسوة عند الموعظة، فليعلم أن إيمانه يحتاج إلى تجديد.
الوقفة الرابعة: الذنوب أصل الداء
قرر الشاعر أن سقمه من مقارفة الخطايا، وهذا هو التشخيص الصحيح؛ فالذنوب هي التي تمرض القلب وتغطيه حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾».
رواه الترمذي (3334) وقال: حسن صحيح
فما العلاج؟
سأل الشاعر عن علاج ذنب كالجبال، وجواب ذلك في كتاب الله:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]
فالتوبة الصادقة تمحو الذنب وإن عظم. وانظر: شروط التوبة الصحيحة.
وقد جمع بعض السلف أدوية القلب في كلمة جامعة:
قال إبراهيم الخواص رحمه الله: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين».
حلية الأولياء لأبي نعيم (10/ 327)
الخلاصة
- مرض القلب أخطر من مرض البدن؛ لأن عاقبته في الآخرة.
- من علامات مرض القلب: أكل الحرام، وهجر القرآن، وفتور الإيمان، والإصرار على الذنوب.
- دواؤه: التوبة الصادقة، وتدبر القرآن، وقيام الليل، والتضرع بالأسحار، وصحبة الصالحين.
- حاسب نفسك كما تفحص بدنك، واسأل عن قلبك قبل أن تسأل عن جسدك.


