جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الوحي وإطلاقاته في القرآن الكريم: سبعة معانٍ بأدلتها — إسماعيل العضامي

الوحي هو الصلة بين السماء والأرض، وبه عرف الناس مراد الله منهم، ولا يقوم الإيمان بالكتب والرسل إلا بالإيمان به. وقد وردت مادة «الوحي» في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، يجمعها معنى الإعلام الخفي السريع. وفي هذا المقال بيان معنى الوحي، ثم إطلاقاته في القرآن الكريم بأدلتها.

الوحي وإطلاقاته في القرآن الكريم

معنى الوحي في اللغة

الوحي كلمة تدل على معانٍ، منها: الإشارة، والإيماء، والكتابة، والسرعة، والصوت الخفي، والإلقاء في الرُّوع إلهامًا بسرعة وقوة ليبقى أثره في النفس. وأصله: الإعلام في خفاء وسرعة.

معنى الوحي في الاصطلاح

الوحي الشرعي: إعلام الله تعالى نبيًّا من أنبيائه بما يريد تبليغه من شرع أو خبر، بواسطة ملَك أو بغير واسطة. وقد جمع الله طرقه في قوله:

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: 51]

حتمية الإيمان بالوحي

لا يتحقق للعبد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر إلا بالإيمان بالوحي؛ فعن طريقه يبلّغ الله رسالاته إلى خلقه: ينزل بها الرسول الملَكي -جبريل عليه السلام- على الرسول البشري، ثم يبلّغها الرسول إلى الناس، كما قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]

وبغير الإيمان بالوحي لا يصل الخلق إلى مراد الله تعالى، ولا يحققون أركان الإيمان.

أمين الوحي: جبريل عليه السلام

أمين الوحي من الملائكة هو جبريل عليه السلام بلا خلاف، قال تعالى:

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: 193–194]

وهو الذي علّم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 5]، وله مناقب كثيرة في الكتاب والسنة. ولمعرفة الكيفيات التي كان ينزل بها الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم انظر: صور الوحي: تسع كيفيات كان الوحي ينزل بها.

إطلاقات الوحي في القرآن الكريم

الأول: الإلهام الفطري للإنسان

وهو ما يجده الموحى إليه في قلبه واضحًا جليًّا من غير شك ولا تردد، ومنه قوله تعالى في أم موسى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]

وقوله في الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام:

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111]

الثاني: الإلهام الغريزي للحيوان

وهو الهداية التي أودعها الله في المخلوقات لتعرف مصالحها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3]، ومنه:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: 68]

الثالث: وسوسة الشيطان لأوليائه

وهي تزيين الشر، وإلقاء الشبهات، والتشكيك في الحق، والمجادلة بالباطل، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]

الرابع: الإشارة السريعة الخفية

قال تعالى في زكريا عليه السلام:

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11]

لما بشّره الله بيحيى سأل ربه آية، فجعل آيته أن يُحبس لسانه عن كلام الناس ثلاث ليال وهو سويّ صحيح من غير علة، لا ينطق إلا بذكر الله وتسبيحه، فخرج على قومه من المحراب الذي بُشّر فيه بالولد، فأوحى إليهم: أي أشار إليهم إشارة خفية سريعة أن سبّحوا الله بكرة وعشيًّا، شكرًا لله على ما أولاه.

الخامس: الرؤيا المنامية للأنبياء

رؤيا الأنبياء وحي حق؛ ولهذا بادر إبراهيم عليه السلام إلى تنفيذ ما رآه في منامه:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ».

متفق عليه: البخاري (3)، ومسلم (160)

السادس: الوحي إلى الأنبياء والرسل

وهو الوحي الشرعي الذي يحمل الرسالة والبشارة والنذارة، وقد أوحى الله إلى نبينا صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى من قبله:

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]

السابع: ما يلقيه الله إلى الملائكة

﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ».

أخرجه البخاري (4701)

جدول ملخص لإطلاقات الوحي

الإطلاقالمعنىالشاهد
الإلهام الفطريإلقاء المعنى في قلب الإنسانالقصص: 7
الإلهام الغريزيهداية الحيوان لمصالحهالنحل: 68
الوسوسةتزيين الشياطين الباطل لأوليائهمالأنعام: 121
الإشارةالإيماء الخفي السريعمريم: 11
الرؤيارؤيا الأنبياء في المنامالصافات: 102
الوحي الشرعيإعلام الأنبياء بالشرعالنساء: 163
الوحي إلى الملائكةأمر الله لملائكتهالأنفال: 12

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الوحي الشرعي والإلهام؟

الوحي الشرعي خاص بالأنبياء، وهو حجة ملزمة، أما الإلهام فيقع لغير الأنبياء، ولا يُبنى عليه حكم شرعي.

هل كل ما ورد بلفظ «الوحي» في القرآن يراد به الوحي إلى الأنبياء؟

لا؛ فقد ورد بمعنى الإلهام والإشارة والوسوسة، ويُعرف المراد من السياق.

من هو أمين الوحي؟

جبريل عليه السلام، وسمّاه الله الروح الأمين.

الخلاصة

الوحي في اللغة الإعلام الخفي السريع، وفي الشرع إعلام الله أنبياءه بما يشاء من شرع أو خبر. وقد جاء في القرآن الكريم بسبعة إطلاقات: الإلهام الفطري، والإلهام الغريزي، والوسوسة، والإشارة، والرؤيا، والوحي إلى الأنبياء، والوحي إلى الملائكة، ويحدد السياق المعنى المراد في كل موضع.